الصراع على استمالة العشائر العربية

الصراع على استمالة العشائر العربية

أصبح من الواضح أن للتوجه العشائري مستقبلاً، دوراً بارزاً ومحورياً في حسم المشهد السوري بقسمه الشمالي الشرقي على المستويين السياسي أو العسكري أو كليهما، ولاسيما أنه يتمتع بحضور ووزن مؤثر من حيث التركيبة الديموغرافية في هذه الرقعة الجغرافية، وتفوق تعداد قوام عناصره الطاغية داخل ميليشيات «قسد» والتي تتجاوز 60 بالمئة في بعض التقديرات والمعلومات المتوافرة.
هذا الثقل كان سبباً في بروز عدة تطورات شكلت دافعاً لزيادة الصراع الدولي والإقليمي لاستمالة العشائر بالتوازي مع انحسار معظم المعارك وانحصارها في الشمال، وتجلى ذلك في:
1- السعي الأميركي السعودي من خلال إنشاء ما يسمى «التيار العربي المستقل» لتعويم ميليشيات «قوات سورية الديمقراطية – قسد» وجناحها السياسي «مجلس سورية الديمقراطي – مسد»، وامتصاص حالة الاحتقان والغضب الشعبي الذي تشهده الجزيرة السورية وبخاصة بين صفوف العشائر العربية تجاه الممارسات الانفصالية الكردية التي تحتكر السلطة والموارد الاقتصادية بعد الإعلان عن هزيمة تنظيم داعش، عبر إيجاد حالة ائتلافية تشاركية بين القوى الكردية مع العشائر في محاولة لإرضاء العشائر من جانب ومنع حصول أي تنسيق كردي أو عشائري مع الحكومة السورية يقتضي عودة الدولة السورية بمؤسساتها إلى الجزيرة.
2- إعلان ما يسمى «المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية» الذي أنشأته ودعمته تركيا منذ عام تقريباً، تشكيل جسم عسكري أو جيش موحد مهمته «تحرير دير الزور من قسد»، وذلك بعد اللقاء السري الذي جمع نائب الرئيس التركي فؤاد أقطاي مع وفد من هذا المجلس برئاسة رامي الصالح في أنقرة خلال الأسبوع الأخير من نيسان الماضي.
وتهدف تركيا من خلال هذا السلوك أو الخطوة إلى إيجاد هامش من المساحة أو النفوذ لها ضمن الخارطة الشمالية الشرقية لإقامة «المنطقة الآمنة»، سواء عبر الضغط العسكري على الأميركي «ولِيّ» ذراع حليفته «قسد»، وفرض هذا الجسد العسكري كأمر واقع، أو فرضه كورقة مساومة تحسن من التموضع التركي في مباحثاته مع نظيره الأميركي حول المنطقة الآمنة، ولاسيما أن هذه الخطوة جاءت بالتزامن مع زيارة المبعوث الأميركي الخاص جيمس جيفري إلى تركيا، وبعد أيام من التصعيد الإرهابي المرافق لمحادثات أستانا 12.
3- إخفاق جهود ما يسمى قيادة «الإدارة الذاتية» في تبييض صورتها من خلال عقدها «ملتقى العشائر السورية» الذي أقيم بدعم أميركي في بلدة عين عيسى شمال الرقة، بل أظهر هذا الملتقى مدى التخبط والتناقض الحاصل داخل الهيكل التنظيمي للإدارة الذاتية والخشية من انسحاب الفاعل العشائري من بين صفوفها، وبرز ذلك في المؤشرات التالية:
– المسارعة لعقد هذا اللقاء وسط أجواء مشحونة وتنافس إقليمي ودولي لكسب ود العشائر، وبخاصة بعد اتساع رقعة الاحتجاجات الرافضة للاحتلال الأميركي وتسلط «قسد» في معظم أرياف دير الزور والخشية من امتدادها باتجاه ريف الرقة، فانعقاد هذا الملتقى وسط غياب وجوه بارزة من بينها متحالفون مع «قسد» كشيخ قبيلة «شمر» وحاكم ما يدعى «مقاطعة الجزيرة في الإدارة الذاتية» حميدي دهام هادي الجربا، وتوظيف المال السياسي والتهديد الأميركي لجلب 5 آلاف شخص من 67 عشيرة في ظل غياب شبه تام للصف الأول من زعماء هذه العشائر، تعتبر من المؤشرات المهمة على تصاعد وتيرة الخلاف داخل «الإدارة الذاتية» والذي تشكل تحديات مصيرية لها.
– التناقض بين الشعارات المغرية وسلوكيات الإدارة الذاتية، وهذا برز بشكل أكثر وضوحاً من خلال تأكيد عضو ما يسمى الهيئة الرئاسية في «مسد» سيهانوك ديبو: «أن اعتماد نظام الإدارة الذاتية يعتبر في إطار الحفاظ على استقلال سورية ورفضاً لتكريس الاحتلال التركي للأراضي السورية»، في حين أن انعقاد المؤتمر بحد ذاته دون رفع العلم السوري وبدعم أميركي وبعد يومين من ملتقى العشائر في الحسكة والذي رفع شعار مقاومة الاحتلال الأميركي والمشروع الانفصالي، يحمل رسالة للحكومة السورية بالتمسك بالخيار الانفصالي المدعوم أميركياً وهي رسالة استفزاز للجانب التركي قد تقوده للقيام بعمليات عدوانية بذريعة مواجهة المشروع الكردي الانفصالي.
– لهجة التطمين والمدح التي طرحها قائد ميليشيات قسد مظلوم عبدي لقوات التحالف الدولي والقوات الروسية في محاولة الموازاة بينهما، لم تجد أذاناً مصغية ولا نية صادقة لدى الجانبين السوري والروسي، واللذان اعتبرا أن هذا المؤتمر هدفه تعزيز التوجه الانفصالي والانخراط بالمشروع الأميركي لتعقيد الحل السياسي بما يخالف مخرجات أستانا والقرارات الدولية.
4- تأكيد الناطق الرسمي السابق باسم «قسد» العميد طلال سلو، أن «قسد» دخلت في مرحلة صراع داخلي على أساس قومي بين المكون العربي والكردي، وذلك إثر ما سماه «القضاء على داعش في منطقة شرق الفرات»، والمعلومات التي ذكرها موقع «المونيتور» الأميركي نهاية آذار الماضي، تتضمن أن زعيم عشيرة شمر، والذي يقود «قوات الصناديد» العاملة تحت مظلة «قسد» حميدي دهام الهادي الجربا، يتواصل مع الحكومة السورية، ونقل عنه قوله: إنه «مستعد لمصافحة يد الرئيس بشار الأسد بهدف وقف الحرب والجلوس حول الطاولة».
وحسب التقرير، فإن الجربا ليس وحده الذي يفكر بإبرام اتفاق مع الحكومة السورية، حيث تسعى العشائر العربية في المناطق التي تسيطر عليها «قسد» للتواصل معها أيضاً وإبرام صفقات فردية.
وفي منبج ذات الأغلبية العربية، والتي تسيطر على أجزاء واسعة منها «قسد»، تحول موقف شيوخ العشائر بشكل واضح، حسب الموقع، بعد أن انتقل محمد خير الماشي من عشيرة البوبنا، وإسماعيل ربيعة من عشيرة الحنادة، وعبد اللـه الباقوري من عشيرة بو سلطان، إلى العيش في المناطق التي يسيطر عليها الجيش العربي السوري عقب اقترابه مع القوات الروسية الحليفة إلى القرب من منبج لمنع أي توغل تركي محتمل يستهدف المدينة.
من المؤكد أن شكل الصراع وميلان كفته في الجغرافية الشمالية الشرقية ستحددها توجهات العشائر العربية وتموضعها، وهذا ما يفسر حجم تسارع المشاريع لاحتوائها أو التأثير في قرارها، وهي بين خيارين إما التوجه نحو الانخراط في المشروع الأميركي الذي يبحث عن مشروع انفصالي كردي بموارد بشرية عربية مغيبة بشكل شبه تام عن مراكز صنع القرار، أو بعودة التنسيق مع دمشق بعد حصول توافق عشائري كامل على ذلك.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!