تركيا وأوهام عودة الماضي

تركيا وأوهام عودة الماضي

لم يأت بيان وزارة الخارجية والمغتربين قبل يومين تجاه تصرفات وسياسات النظام التركي من دون أسس ومعلومات وسلوك علني وسري من قبله، سواء عبر فضائح الدعم العلني للتنظيمات الإرهابية، والتورط في نقل السلاح، وتحويل الحدود المشتركة إلى معبر لوجستي لعتاة الإرهابيين والقتلة، أم عبر الاحتلال المباشر لأراضٍ سورية، والطمع في مزيد من التوسع تحت عنوان «التفاهم التركي الأميركي»، أو «محاربة الإرهاب» الذي تراه أنقرة بـعين واحدة وفقاً لمصالحها ومطامعها، فهي تراه في شمال شرق الفرات بلون كردي، وتسميه في غرب الفرات ميليشيات تحرير وثورة وثوار، وهذا لا يعكس فقط اضطراباً سياسياً، إنما هو نفاق مكشوف وواضح، ومحاولة لتبييض صفحة النظام التركي الذي يقود مشروعاً يريد من خلاله إعادة إنتاج الماضي، وتكراره تحت عنوان إسلامي قومي لأهداف داخلية وإقليمية ودولية.
هذه السياسة التركية لها جذور وأسس في عقل النظام الحاكم في أنقرة، وقد صدرت مؤشرات عديدة حول ذلك في العراق وسورية وليبيا ومصر وحتى في الصدام مع السعودية، إضافة إلى دعم التنظيمات المتأسلمة والإرهابية في سورية وغيرها من الدول العربية، فإن تصريحات علنية من مسؤولين أتراك تؤكد هذه النيات السرية التي تحولت إلى مكشوفة، ومنها ما قاله وزير الداخلية التركي سليمان صويلو قبل فترة أمام مجموعة من اللاجئين السوريين من أن هؤلاء أتوا من مناطق ما أسماه «ملي ميثاق» أي «الميثاق الوطني»، داعياً إلى تجنيس الأطفال السوريين، وبالطبع فإن صويلو، يستند أيضاً إلى ما قاله قبل ذلك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أعلن في 13 أيلول 2016 في مؤتمر للقانون الدولي أن مشكلات تركيا على حدودها ناجمة عن تنازلها عن «ملي ميثاق» في اتفاقية لوزان الثانية، والتي قبلتها تركيا مجبرة حسب زعمه، وكرر هذا الكلام في أكثر من مناسبة، واعتبر أن عام 2023 سيكون مفصلياً بالنسبة لتاريخ تركيا الحديث.
وللتوضيح فإن «ملي ميثاق» يعني باللغة التركية حالياً «الميثاق الوطني» وهو اسم لدستور مكون من عدة بنود اعتمد في آخر سنة للبرلمان العثماني «مجلس مبعوثان»، الذي انعقد في 28 كانون الثاني 1920، ونشرت قراراته في 12 شباط 1920، ما أدى إلى انزعاج الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، وأدى إلى احتلال إسطنبول من قوات فرنسية بريطانية إيطاليا في 16 آذار 1920، وتشكلت الخطوط العريضة لما يسمى الميثاق الوطني في مؤتمر أرضروم ما بين 22 تموز و7 آب 1919، ومؤتمر سيواس ما بين 4-11 أيلول 1919، وقرر المؤتمران إجراء انتخابات ليذهب الممثلون لاحقاً إلى أنقرة في كانون الثاني 1920.
وحسب الوثائق التاريخية لا يوجد ما يشير إلى نشره «أي للميثاق» في الجريدة الرسمية، ويؤكد أحد سفراء بريطانيا، وهو هوراس رامبولد، أنه «لا توجد قائمة منشورة بالموقعين على البيان».
الأمر الإشكالي هنا أن ما يسمى بـ«الميثاق الوطني» يتحدث عن الأغلبية الإسلامية العثمانية التي تعيش داخل هدنة «مودروس» الموقعة في 30 تشرين الأول 1918، وهي الهدنة التي أنهت العمليات القتالية بين الدولة العثمانية والحلفاء في الحرب العالمية الأولى، ووقعت في ميناء «مودروس» في جزيرة «ليمنوس» اليونانية، وأعقبها تقسيم السلطنة العثمانية على أنهم جزء لا يتجزأ من تركيا، لكن هناك بعض المصادر تتحدث عن تعديل ذلك ليشمل ما يسمى الأغلبية الإسلامية العثمانية التي تعيش داخل وخارج «ملي ميثاق»!
بغض النظر عن كل ذلك فإن السلطنة العثمانية المهزومة في الحرب العالمية الأولى انتهى مصيرها تقسيماً في اتفاقية «سيفر» في 10 آب 1920 وتم تقاسمها بين الحلفاء، إلى أن تم خوض حرب لعدة سنوات بقيادة مصطفى كمال أتاتورك انتهت بما يعرف بـ«اتفاقية لوزان الثانية» في 24 تموز 1923 والتي وقعت في فندق «بوريفاج بالاس» لتنهي وجود شيء اسمه السلطنة العثمانية، وتأسس ما يسمى بـ«الجمهورية التركية الحديثة العلمانية».
بالطبع فإن من نتائج معاهدة لوزان الثانية إنهاء ما يسمى بـ«الخلافة الإسلامية العثمانية»، ومصادرة جميع أموال السلطنة، ونفي عائلة السلطان خارج تركيا، وتخلي تركيا عن احتلالها لكل من السودان، مصر، قبرص، ليبيا، العراق، بلاد الشام، إضافة إلى ترسيم الحدود مع اليونان وبلغاريا، واعتبار مضيق البوسفور الرابط بين بحري مرمرة والأسود باتجاه المتوسط ليصبح ممراً مائياً دولياً لا يحق لتركيا بموجب ذلك تحصيل أي رسوم.
والحقيقة أن هذه الاتفاقية اقتطعت مناطق سورية واسعة مثل: أورفا، أضنة، غازي عنتاب، كلس، ومرعش، غير سلخ لواء اسكندرون بتواطؤ فرنسي تركي عام 1938، إضافة إلى ذلك فإن تركيا تخلت أيضاً عن اليمن وعسير وأجزاء من الحجاز مثل المدينة المنورة التي بقيت القوات العثمانية فيها حتى 23 كانون الثاني 1919.
إن هذا الاستعراض التاريخي يهدف لفهم خلفية تكرار أردوغان ومسؤولية ولضرورة مراجعة اتفاقية لوزان الثانية 1923، والتي يراها أنها كانت «ظالمة»! لتركيا حسب زعمه، ولكنه يتحدث الآن عن أراض سورية جديدة تضم ثلث مساحة سورية حالياً تتمثل في الحسكة، الرقة، حلب، إدلب، إضافة إلى الموصل، وكركوك، وشمال العراق الأمر الذي يعني فيما يعنيه نبش التاريخ وفتح بوابات جديدة لصراعات وحروب لن تنتهي على الإطلاق، وهو أيضاً ما يفسر الأسباب الحقيقية لتورط نظام أردوغان في الحرب السورية، وفي العراق وليبيا واليمن، وتحالفاته الإخوانية العالمية، وسعيه لإعادة فتح ملفات الماضي مستخدماً القوة والتآمر، والضلوع في محاولات تفتيت سورية مذهبياً وإثنياً، والدعم المكشوف منذ عام 2011 لمشروع الشرق الأوسط الجديد.
اللافت للنظر أن أردوغان الذي يتحدث اليوم عن شرق الفرات، لا يشير إلى اليونان مثلاً أو مصر أو السودان أو القرم، لأنه لا يستطيع تنفيذ أوهامه المريضة، في زمن ليس زمن الحرب العالمية الأولى، وفي زمن هزمت أوهامه على بوابات حلب، وستسقط رهاناته في إدلب، وشرق الفرات، وفي كل شبر من الأراضي السورية، كما أن فتح ملفات الماضي يعني فيما يعنيه أنه بقدر ما يطالب الآخرين، ويحاول العدوان عليهم، فإن الآخرين قد يفتحون ملفات هذا الماضي الذي تم من خلالها السطو على أراض سورية بالتآمر التركي الفرنسي البريطاني، والآن يريد تكراره عبر ما يسمى «تفاهم ترامب- أردوغان» أو ادعاءات محاربة الإرهاب ذي العين الواحدة التركية.
إن عدم ترك أردوغان، ذي العقلية المريضة، لأمجاد الماضي أمر خطر، وسيعني أن الرجل ينظر للحجاز، ويتطلع لزعامة إسلامية عنوانها الدين ولكن لتحقيق أهداف سياسية، وهو ما يبدو أنه أحد أسباب تحرك بعض العرب تجاه سورية مؤخراً.
أعتقد أن فتح الماضي، والعيش بأوهام تكراره سيكون كارثة على المنطقة، وعلى تركيا وشعبها، وقد يكون النهاية نفسها التي انتهى إليها سلاطنة بني عثمان الذين كذبوا باسم الإسلام لمئات السنين، وفي زمن العولمة لابد من إسقاط هذه الكذبة مرة أخرى ووقف استغلال الدين لتحقيق أطماع مارقة وواهمة.
واللافت أن انتصار سورية أسقط هذه الأوهام والسموم الأردوغانية المريضة إلى غير رجعة.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!