شمال شرق سورية… فصل الانتصار

شمال شرق سورية… فصل الانتصار

لم ينجح رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان في درء الهجوم المُحَتم أو حتى في تأجيله أو تنفيذه على مراحل، فالقيادتان الإيرانية والروسية أكدتا لأردوغان وأركان نظامه في قمة طهران الثلاثية في السابع من أيلول الجاري، نية القيادة السورية وقرارها الحاسم استكمال تحرير الأراضي السورية التي تحتلها قوى الإرهاب من داعش إلى النصرة ومثيلاتها في إدلب والأرياف المتصلة بها، ثم التوجه لاحقاً لتحرير تلك التي ترزح تحت الاحتلال الأميركي.

ربما كان يظن أردوغان أن المشتركات «المصلحية» التي تحكم علاقته بشريكيه في منظومة «أستانا» تسمح له بفرض تغييرٍ في مسار إستراتيجي يسلكانه مع حليفهما السوري، يتعلق بقرار يمس جوهر المواجهة مع الإرهاب من جهة ومع الاحتلالين الأميركي والتركي من جهة أخرى.

ولكن كان على أردوغان أن يستنتج أن الانتصارات المتتالية التي حققها الجيش العربي السوري وحلفاؤه في محور المقاومة والقوات الروسية في الميدان السوري، إضافة إلى الوقائع الدولية والإقليمية التي تحتدم على مستوى العلاقات الإيرانية-الأميركية والروسية- الأميركية،ستلغي هامش المناورة التي اعتاش هو ونظامه عليها خلال سنوات الأزمة في سورية، كما كان عليه أن يُقِرَ بأن اللعب على حبال التناقضات السياسية القائمة بين أحلاف دولية وقوى إقليمية لم يعد ممكناً، كذلك فإن القفز من حضن «الناتو» إلى صف «أستانا» ثم العودة إليه ومن ثم التنقل بين رعاية جهة إرهابية وبين محاولات تلميع اسم وصورة جهة أخرى، لن يؤدي إلى بث المخاوف في نفوس صُنَّاع القرار في محور المقاومة وحليفها الروسي من ارتدادات الاندفاع نحو إنهاء التجمع الإرهابي في إدلب أو حتى إلى إرباكهم، وبالتالي العودة إلى السير بالعملية العسكرية وفقاً للرؤية التركية القائمة على إجراء «جراحات تجميلية» للواقع المزري الذي يعيشه سكان إدلب والأرياف المحيطة بها. هذه الجراحات التي تهدف إلى فرض الجانب التركي شريكاً ميدانياً يتحكم بمسار الحلول النهائية المفترضة للأزمة في سورية. هذه الشراكة التي ستمنحه القدرة على تحويل مسار المعركة من حرب على ما تبقى من الحالات الإرهابية على الأراضي السورية إلى صراع مع بعض المنظمات الانفصالية الكردية في الداخل السوري.

لاشك أن أردوغان صار وحيداً في خياراته هذه، خصوصاً بعدما افترق عن نظيريه الروسي والإيراني من حيث مقاربة الأهداف والوسائل التي يجب أن تؤدي إلى خلاص سورية وتباعاً الدول المجاورة لها وخصوصاً العراق وتركيا من آفة الإرهاب.

ولا شك أيضاً أنه يتخبط بعدما فشل في تثبيت طوق الحماية لبلاده الذي سعى لتكريسه انطلاقاً من الشريط الحدود الذي حاول إنشاءه داخل الأراضي السورية. ولذلك يحاول اليوم تخويف أوروبا والعالم من تداعيات تحرير إدلب وجوارها وصولاً إلى الحدود السورية التركية من الإرهاب، طالباً استنفارهم وتدخلهم وموحياً أنه سيفتح الممرات لمجاميع الإرهابيين والمرتزقة الدوليين لعبور بلاده إليهم!

كان على رئيس النظام التركي أن يعي بعد كل إخفاقاته هذه، أن معركة تحرير منطقة شمال شرق سورية بدءاً من إدلب ليست محطة عادية في مسار خلاص سورية من الإرهاب، بل هي حرب وجودية فيما يتعلق بوحدة الكيان السوري كجغرافيا وأيضاً بوحدة المجتمع السوري. إذ إن الانتصار على الإرهاب وعلى الانفصاليين الأكراد في شمال شرق سورية سيفتح الطريق لإعادة ضم تلك المنطقة إلى باقي المناطق السورية، وبالتالي استعادة تواصلها مع الدولة المركزية وإسقاط أي مشروع لتكريس حكم ذاتي أو إدارة ذاتية أو حتى تعايش بالإكراه بين مؤسسات الدولة الشرعية والانفصاليين.

كذلك فإن تحرير شمال شرق سورية من الإرهابيين والانفصاليين سينهي البيئة الحاضنة للاحتلال الأميركي، ويُسقِط في الوقت نفسه الذريعة التركية حول حق أنقرة في ملاحقة التنظيمات الكردية لمنعها من استهداف أراضيها، كما أن هذا التحرير سيُسرع في الاستدارة نحو المعركة الأهم وهي مقاومة القوات الأميركية المحتلة وطردها من الأراضي السورية، وبالتالي منع واشنطن من استخدام الحدود السورية العراقية مسرحاً للضغط على القيادة السورية وتالياً على الحليف الإيراني وتباعاً على الند الروسي.

في منطقة شمال شرق سورية وانطلاقاً منها ستُرسم معالم أحجام اللاعبين الدوليين والإقليميين وأوزانهم نظراً لوقوعها على مثلث الأطماع الأميركية، لذا فإن الانتصار على واشنطن فيها يُخرِجُها من مساحات كبيرة تستخدمها للضغط على محور المقاومة وحليفه الروسي.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!