اتفاق وقف إطلاق النار: لعبٌ في الوقت الضائع أم تحضيرٌ لوصول «ترامب»!

اتفاق وقف إطلاق النار: لعبٌ في الوقت الضائع أم تحضيرٌ لوصول «ترامب»!

إذا كان الدبلوماسيون الروس في الولايات المتحدة طبخوا وجبةَ وصول «ترامب» إلى السلطة، كما تحاول الإدارة المنصرِفة إقناعنا، فما هي الوجبة السياسية التي كان يُعدّها «طباخ القنصلية الروسية» في «سان فرانسيسكو» لكي يتم طردهُ معهم؟ هذا التساؤل لا نفتتح به هذا المقال بهدف السخرية من «إدارة منصرفةٍ» لكننا نوردهُ ليكونَ مقياساً على حجمِ الألم الذي تعيشهُ تلك الإدارة في أيامها الأخيرة، وفي المنطق، فلا ألمَ من دون عواملَ تضغط على الأعصاب فتحرِّك بها دوافعَ قد تكونَ غيرَ متوازنةٍ أحياناً للتعبير عن هذا الألم.

لن نطيلَ السخرية حول هكذا قرار باعتبار أن «الضربَ بالميت حرام»، لكن من الضروري الوقوف عند ردةِ فعل «بوتين» الراقية على هذا الاستفزاز، لأنها بالنهاية تشرح لنا الهدف الحقيقي لما يفعلهُ «أوباما» حالياً. أن توريث «ترامب» علاقاتٍ متوترة مع الروس كان الهمَّ الأول لـ«أوباما»، ليس في الأيام القليلة المتبقية فحسب، بل يمكننا القول أن الأمر مدروس منذ الهجوم الأميركي على قوات الجيش العربي السوري في «دير الزُّور» وانتظار «أوباما» للرد، مروراً بإفشالِ اجتماعات «النسخة الألف» من لقاءات (كيري – لافروف). كل هذه التخبط في التعاطي مع الروس ليس ناتجاً فقط عن قضية التدخل في الانتخابات، لكنه نتيجة لفشل «الأوبامية» السياسية التي لم تنجح إلا بشيءٍ واحد فقط وهو حصد أرواح الأبرياء وتدمير البشر والحجر، فهل القادم هو مجرد ارتدادٍ لهزيمة إدارة حملت لواء «الحرب الناعمة»، أم قد يتعداه لما يمكننا اعتباره انتصاراً لمحورٍ على آخر؟

من خلال متابعة ملف الأحداث، قد يستغرب البعض هذا الصعود التركي المفاجئ، إن كان بقدرتهِ على تبني وقف إطلاق النار وضمان حسن تنفيذه من قبل مجاميع الفصائل الإرهابية التي تقاتل تحت راياتٍ مختلفة، أو لجهةِ تبنيهِ رسمياً للحل السياسي في سورية – على الأقل كما يُروج وهذا لا يعني بأي حالٍ أن علينا تصديقه – تحديداً أنه لم يقف فقط على مسألة التبني لكنه بذات الوقت حدّدَ ملامحهُ حسب ما قال وزير خارجية النظام بأن «المرحلة الانتقالية لا دور للأسد فيها». في المقابل هناك ما هو أكثر مفاجأة، وهو ما يمكننا تسميته «الثقة الروسية» بقدرة التركي على إنجاز شيءٍ ما في الملف السوري والذي قد يقلب الطاولة على خصوم الروس والسوريين. هذه الثقة لم تظهر فقط من خلال احتواء قضية اغتيال السفير الروسي في تركيا، لكنه تجاوزها لما هو أبعد، فكيف ذلك؟

قبل شهر تقريباً قال «أردوغان»: إن هدفَ تركيا من التدخل في سورية هو الإطاحة بما سماه «نظام بشار الأسد»، يومها اعترض الروسي على هذه التصريحات وقال: إنها لا تتوافق مع التفاهمات (الروسية – التركية) حول سورية. سارع بعدها «أردوغان» لسحب تصريحه والقول: إنه فُهم على نحوٍ خاطئ، لكن ما ميز التصريح الأخير لوزير خارجية النظام التركي أنه لم يترافق مع صمتٍ روسي غيرَ مفهومٍ وحسب، لكنه تلا بساعاتٍ تصريحاتٍ للناطقة باسم الخارجية الروسية بأن «المطالبة برحيل الأسد» باتَ من الماضي، فأيهما يُكذِّب الآخر، ولنكن أكثر واقعية فإننا نتساءل: أيُّهما يحاول احتواء الآخر؟!

دخلت إيران على الخط قبل ساعاتٍ من لقاء «وليد المعلم» مع الإخبارية السورية، ربما ما ميز تصريحات الخارجية الإيرانية هذه المرة أنها جاءت بصيغةٍ مختلفةٍ إن كان لجهةِ «توصيف تركيا كدولة محتلة لأراضٍ سورية» أو إن كان لجهةِ التذكير لمن يهمهُ الأمر أن الشعب السوري هو من يقرر مصيره. أما الرد السوري والذي تمثّل بكلام الوزير «المعلم» فربما يمكننا تسميتهُ «حسن الختام»، ليس فقط لأنها و«حسب ما يمكن فهمها» عابرة للدول، لكنها بذات الوقت هي تعبير عن «إرادة شعبية»، كنا قد مررنا عليها في الأسبوع الماضي مرور الكرام، لكن لا مانع اليوم من الإسهاب بشرحها وبمعنى آخر؛ أن كلام «وليد المعلم» ما كان إلا تعبيراً عن حالةٍ شعبية قوامها الأساسي كما يلي:
تركيا كـ«منظومةٍ سياسية» تفكر باستعادةِ الفكر العثماني الإجرامي باتت عدواً تاريخياً للشعب السوري، بمعزلٍ عن لعبة السياسة الدولية، ربما لا نحتاج لاستطلاعٍ للرأي لنفهم أن السوريين الذين تمسكوا ببلدهم لا يرون منذ مجزرة مفرزة «جسر الشغور 2011» بالنظام التركي إلا نظاماً مجرماً وقاتلاً لا فرق بينه وبين «إسرائيل» من جهةٍ و«مشيخات النفط» من جهةٍ ثانية إلا بالآلية الإجرامية لا أكثر؛ أي أن أي محاولةٍ لتلميعِ صورة هذه الطغمة المجرمة وإظهارها بموقع «الشريك المثالي» لإحلال السلام في سورية من خلال تلاوتهم لفعل الندامة بصورةٍ غير مباشرة، هي محاولةٌ مرفوضة شعبياً قبل أن تكون مرفوضة رسمياً، باعتبار أن القيادة في النهاية ليست أكثر من مجرد تعبير عن الإرادة الشعبية، والإرادة الشعبية ترى أن أي هدنة أو محاولة للملمة الجماعات الإرهابية بمشاركةِ من دعمَ وسلّحَ وموّلَ هو مجرد مضيعة للوقت لا أكثر. ربما قد تبدو هذه النظرة منطقية، لكن ماذا لو وسعنا الحلقة وتساءلنا: هل حقاً أن النظام التركي «جنحَ للسلم» طواعيةً للحفاظِ على طريق العودة الروسي وبالتالي يريد أثماناً في السياسة، أم أن ما يجري هو تهيئةٌ لمرحلة وصول «ترامب» للسلطة لا يبدو فيها التركي أكثر من لاعب احتياط؟!

كما حال أي اتفاقٍ أو تفاهمٍ سياسي مركب فإن هناك حلقة مفرغة، بمعنى أن «نظام أردوغان» لا يمكن أن يسير وحيداً بهكذا اتفاق مع ضمان الجميع، لأننا عندها سنسأل أين باقي أنظمة الإجرام وماذا عن مصالحها من «آل سعود» إلى «إسرائيل»، هل ستسلم بسهولة الراية للتركي؟ أم أن البعض يريدنا أن نقتنع أن «أردوغان» أقنعهم بوجهةِ نظره، عندها علينا منذ الآن عدم انتظار ما سيؤدي إليه «مؤتمر الآستانة» المنتظر، لأنه لن يكون أكثر من فرصة لبعضِ المعارضين للاستجمام. لكن هناك احتمال آخر، بأن يكون كل ما يجري يرتكز على ما قاله الروس بعد أيام من فوز «ترامب» بأن الاتصالات بدأت مع شخصيات مقربة منه حول الملف السوري. إن القراءة الأولية بتسارعِ الأحداث وصمت «آل سعود» مثلاً على ما يجري قد يرجح فرضية أن كل ما يجري حالياً هو بالاتفاق مع إدارة «ترامب»، بل ويذكرنا بتصريحِ الجبير قبل أسبوعين بأن «آل سعود» «لا يعارضون بقاء الأسد» إذا وافقت الولايات المتحدة على ذلك. مع ذلك يبقى هناك تساؤل جوهري: لماذا يستعجل الروس تحصين هذا الاتفاق عبر مجلس الأمن بتقديمهم مشروع قرار يدعم وقف إطلاق النار، والدخول بمعركة دبلوماسية جديدة مع الإدارة الأميركية وعدم انتظار وصول إدارة «ترامب» لضمان مرور المشروع؟

الجواب بسيط وهو ما قد نسميه السعي الروسي حتى النهاية لإحراج «إدارة أوباما»، فإن كانوا فعلياً جادين في إيجاد حل فليدعموا وقف إطلاق النار، تحديداً أن هذا الأمر لا يزال ساري المفعول مع وجود خروقاتٍ من قبل المسلحين هنا وهناك، فماذا ينتظرنا؟!

القصة بسيطة: إذا كان الروس يظنون أن جلب «النظام التركي» إلى جانبهم في الوقت الضائع لولاية «أوباما» سيساعدهم بفرضِ أمرٍ واقع على العصابات الإرهابية ليمرروا هكذا حل، دون الحاجة لإدارة «ترامب» القادمة، فهي ببساطة سذاجة سياسية لأن اللاعبين والمتضررين كثر، أولهم النظام التركي، عندها سيعود مركز «حميميم» لعد خروقات الإرهابيين وإحصاء عدد الضحايا الأبرياء. أما إذا كان الروس يعدون العدة ليأتي «ترامب» وهو نوعاً ما مرتاح من ثقل «الملف السوري» فهو أمر جيد، والاتفاق سيكتب له النجاح. مع ذلك تبقى المعضلة الأساسية وهي معضلة التنظيمات الإرهابية التي ستدخل في الحل السياسي، كيف سيجري التعامل معها وهي بمعظمها أذرع مسلحة لأنظمة إرهابية كتركيا و«آل سعود»، فهل يمكننا مثلاً أن نتوسم شكل «سورية الجديدة» من خلالِ إطلالةٍ لأحد إرهابيي «جيش الإسلام»!؟ الجواب على هذا التساؤل ليس عندنا، عند من لا يريد أن يقتنع أن للإرهاب وجوها كثيرة قد يكون بشكلِ «عدالة وتنمية»، وقد يكون بشكل «إخوان مسلمين». عندها لنعد العدة لمرحلة ما بعد إخفاق المفاوضات واتفاق وقف إطلاق النار، من هنا نستطيع أن نفهم أسباب وتوقيت ونتائج زيارة «وليد المعلم» برفقة «علي مملوك» إلى طهران، جاهزون لكل الاحتمالات..