انقلاب الموقف التركي

انقلاب الموقف التركي

من الصعوبة بمكان استيعاب انقلاب موقف الرئيس أردوغان، ما دامت تركيا لا تزال عضوا في الحلف الأطلسي، المنظمة التي لم تتمكن أي دولة، في أي وقت مضى، من مغادرتها.
ربما تتمكن تركيا في مرحلة أولية، الخروج من القيادة العسكرية الموحدة، كما فعلت فرنسا، في عام 1966.
تعرض الرئيس شارل ديغول، في ذلك الحين، لمحاولة انقلاب، إضافة إلى العديد من محاولات الاغتيال التي قامت بها منظمة الجيش السري، وهي منظمة فرنسية كانت تمولها سي. آي. إيه
على الرغم من أننا لا نعرف بالضبط عدد الجهاديين في سورية والعراق، إلا أنه بإمكاننا اعتبار أن عددهم في الوقت الراهن، ليس أقل من خمسين ألفاً، ولا أكثر من مئتي ألف.
إذا كنا نعلم أنه من المتعذر جداً وبالمطلق، إصلاح هؤلاء المرتزقة، فما عسانا نفعل بهم؟
وقف إطلاق النار الذي تم تعمدت كتابته بطريقة غامضة، ترك الباب مفتوحا أمام احتمال شن هجوم عليهم في إدلب.
يحتل هذه المحافظة عدد لا يحصى من الجماعات المسلحة، من دون أي روابط فيما بينها، لكنها تخضع لتنسيق من قيادة منظمة حلف شمال الأطلسي (لاند كوم) في أزمير، عبر منظمات غير حكومية «إنسانية»!

على النقيض تماما من داعش، فقد أخفق هؤلاء الجهاديون في تنظيم أنفسهم بشكل صحيح، وظلوا يعتمدون على المساعدة التي تقدمها لهم منظمة حلف شمال الأطلسي عبر الحدود التركية، والتي يمكن إغلاقها في وقت قريب.
مع ذلك، إذا افترضنا أنه من السهل السيطرة على الشاحنات التي تسير على طرق معروفة جيداً، إلا أنه من غير الممكن وقف عبور هؤلاء الرجال عبر الأراضي الزراعية المنتشرة على طول الحدود.
من المحتمل في هذه الحال أن يفر الآلاف، وربما عشرات الآلاف من الجهاديين، قريبا إلى تركيا لزعزعة استقرارها.

بدأت أنقرة بالفعل بتغيير خطابها، حين اتهم الرئيس أردوغان الولايات المتحدة بمواصلة دعم الجهاديين بشكل عام، وعلى وجه الخصوص، داعش، موحيا أنه إذا كان قد فعل الشيء نفسه في الماضي، فذلك تحت تأثير سيئ من واشنطن.
تطمح أنقرة من وراء ذلك لكسب المال، من خلال تلزيم شركات الأشغال العامة لديها بإعادة إعمار مدينتي حمص، وحلب.
مع ذلك، يبقى من غير الواضح كيف ستتمكن تركيا، بعد قيامها بدفع مئات الآلاف من السوريين على مغادرة ديارهم، ودعم الجهاديين الذين دمروا البلاد، وقتلوا مئات الآلاف من السوريين، ونهبوا شمال سورية بالكامل، من أن تتنصل من مسؤولياتها؟.

في حال تأكد انقلاب الموقف التركي واقعيا خلال الشهور القادمة، سيترتب على ذلك سلسلة من النتائج، بدءاً من حقيقة أن الرئيس أردوغان لن يقدم نفسه بعد الآن كحليف لروسيا فحسب، بل كشريك لحزب الله، وجمهورية إيران الإسلامية، بما يعني ذلك أبطال العالم الشيعي، ما يعني أيضاً اضمحلال سراب رؤية تركيا زعيمة للعالم السني، تحارب «الزنادقة» بالمال السعودي.
لكن الصراع المصطنع بين المسلمين الذي أطلقته واشنطن، لن يتوقف إذا لم تتخل المملكة العربية السعودية عنه، هي الأخرى.

ينبغي أن نفهم أخيراً أن هذا الانقلاب المذهل في الموقف التركي ناجم عن عدة عوامل: بدءا من إلقاء القبض على ضباط أتراك في مخبأ تحت الأرض تابع لحلف شمال الأطلسي، في أحد أحياء حلب الشرقية، وانتهاء بالدور الشخصي لرجب طيب أردوغان خلال الحرب الشيشانية الأولى، حين كان على رأس حركة (مللي غوروش) الإسلامية، الدور الذي لم تتحدث عنه موسكو علنا، لكن أجهزة الأمن الروسية لا تزال تحتفظ بفيض من المعلومات عنه في محفوظاتها.
وفي اللحظة الفاصلة، فضل الرئيس فلاديمير بوتين تحويل أردوغان من عدو إلى حليف، بدلا من إسقاطه والدخول في حرب مع الدولة التركية، وجعل كل من الرئيس بشار الأسد، والسيد حسن نصر الله، وآية الله علي خامنئي يحذون حذوه، عن طيب خاطرهم.