تركيا: الدولة الهَشة

تركيا: الدولة الهَشة

هل بات يمكن توصيف الدولة التركية بـ«الدولة الهشة»؟ سؤال يتداوله الكثير من مواقع القرار والمتابعة الإقليمية والدولية إثر مجموعة من الأحداث والوقائع التي هزت بقوة أركان النظام السياسي وتباعاً الأمني والعسكري في تركيا خلال السنة الماضية.

كان يأمل النظام التركي بقيادة رجب طيب أردوغان أن تتم مكافأته بعد إسقاط النظام في سورية ورحيل الرئيس بشار الأسد، وذلك بإطلاق سلطانه على بلاد الشام حاكماً مباشراً في الشمال السوري انطلاقاً من حلب، ووالياً نافذاً غير مباشر على ما سيتبقى من الكيان السوري المُقسَم وعلى الامتدادات الجغرافية- السياسية والطبيعية لسورية، إضافة إلى الاستفادة من نهمه لطلب السلطة من خلال توسيع رقعة نفوذه باتجاه العراق لمحاصرة إيران وإشغالها واستنزافها، وبموازاة ذلك ملاقاة نظام جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر الذي تمكن من السيطرة على الحكم إثر نجاح الحراك الشعبي فيها بإسقاط نظام الرئيس السابق حسني مبارك.

كان أردوغان قد بدأ يهيئ المسرح التركي الداخلي للقيام بهذه المهمة، فسعى إلى طرح تعديلات جذرية على بنية الدستور تبدأ بإسقاط العلمانية ولا تنتهي بحصر صلاحيات السلطة التنفيذية بيد رئيس البلاد وحده. وقد أخذ يُعِد الترتيبات اللوجستية لذلك بالتحضير لبناء قصر عثماني مهيب، والأهم الشروع مبكراً بالتعاطي بفوقية مع نظرائه من الرؤساء والملوك في العالم العربي والإسلامي، وهناك الكثير من الروايات المتواترة حول هذا الموضوع أبرزها ما تم تناقله في دوائر الخارجية المصرية أثناء زيارته الشهيرة للرئيس الإخونجي المخلوع محمد مرسي.

وكانت سورية هي معمودية النار التي كان يجب على أردوغان اجتيازها ليستحق أميركياً وأوروبياً وإسرائيلياً وخليجياً منحه هذا السلطان، لكن رياح المواجهة جرت بما لا يشتهي هذا المحور لأسباب عديدة أولها صمود وثبات القيادة والجيش والشعب في سورية وليس آخرها وفاء حلفائها وأصدقائها. فأخذت تتحول هذه المعمودية إلى مستنقعٍ يغرق في وحوله أردوغان ويُغرِق معه تركيا بأكملها، والأهم أن حلفاءه في محوره المذكور لم يكتفوا بالتخلي عنه بل سعوا إلى الانقلاب عليه بعدما وجدوا أنه أضعف من أن ينجز المهمة التي أوكلت له، وقد بدا ذلك واضحاً منذ حصول الصدام الجوي الأول بين الطيران الحربي التركي والطيران الحربي السوري في حزيران العام 2012 وتراجع أردوغان وانتقاله إلى التخريب في الميدان عبر تشريع أبواب الحدود التركية- السورية المشتركة للمجموعات الإرهابية التكفيرية وأجهزة الاستخبارات من أكثر من 16 دولة.

لكن ذروة الخيبة التي أصيب بها أردوغان تمثلت بتثبته من تآمر بعض حلفائه الإستراتيجيين عليه وتجاهل البعض الآخر له وإغلاق حدود أوروبا في وجهه، في وقت تلقف لحظة ضعفه الطرفان الروسي والإيراني بل ساعداه على تجاوز هذه المؤامرات تمهيداً لاستدراجه إلى ملعب محورهما بهدف تحييده على الأقل والاستثمار على رغبته في الانتقام من حلفائه السابقين أو من بعضهم في حال توافرت الظروف لذلك.

لاشك أن أردوغان يراهن أيضاً من جهته على الاستفادة من استدارته غير المكتملة حتى الآن عبر طلب مساعدته لمنع تحقيق حلم بعض الأكراد الانفصاليين في إنشاء كانتون على حدوده، لكنه أيضاً وأيضاً صار مضطراً للعودة إلى الواقعية السياسية كنهج في إدارة بلاده وخصوصاً أنه بات هدفاً داخلياً لمعارضيه بعدما أعمل السيف في رقابهم منذ إخفاق انقلابهم عليه كما هو هدف لخصومه وأعدائه وخصوصاً منهم الذين خاض في دمهم.

قد ينفع أردوغان استكمال استدارته في تحصين حدوده الإقليمية وخصوصاً مع سورية التي يحاورها بالوساطة والعراق المندفع للتواصل مع حكومته مباشرة، لكن من المؤكد أن ذلك لن ينفعه في مواجهة الحرب الداخلية التي أشعلها والتي ستجعل من تركيا محطة أزمات دائمة مع احتمال أن يشملها «الربيع العربي».