عن «تجديد الخطاب الديني» والنُّخب المعلبة.. والتفكير بطريقةٍ مختلفة

عن «تجديد الخطاب الديني» والنُّخب المعلبة.. والتفكير بطريقةٍ مختلفة

يقولون إنها كطائرِ الفينيق تنهض من تحتِ الرماد، لكن التشبيهَ للأسف بات قديماً لأن سورية باتت «الصفة»، وطائر الفينيق هو «الموصوف» الذي يتشبهُ بنهوضها.
أن يُقام معرض دمشق الدولي، فهذا يعني أن نعودَ بالذاكرةِ سنواتٍ ونسترجعَ شريطَ الحرب ونسأل: أين من كانوا يهددوننا بأن «الثوار» باتوا على بُعدِ مئات الأمتار من «القصر الجمهوري»، أين من كانوا يهددوننا بأن دمشق باتت بحكم «الساقطة»، سقطوا جميعاً وبقيت دمشق، وبقيت حلب، وبقيت الإنسانية والحضارة.

لا نريد الحديث كثيراً عن بعض السلبيات التي لفت هذا الحدث، من بينها مثلاً موضوع النقل تحديداً أن مدينة بهذا الحجم وما حولها من مناطق حيوية، كان لابد أن يترافق إنشاؤها بخطٍّ حديدي لتخديمها بدل مشاهدَ نقل الزائرين بسيارات الشحن، أو على الأقل ليتم الأخذ بالحسبان هذا الأمر عندما يتم إنشاء «ميترو دمشق» الموعود، لا نريد الإسهاب كثيراً في الحديث عن مدلولات إقامة المعرض باعتبار أن الأمر بات مستهلكاً، لكن دعونا نتحدث عن مدلولات انتهاء الحرب لأننا ندرك تماماً أن التحضير لهذه المرحلة أمرٌ يتطلب الكثير من الشفافية والمصارحة التي تجعلنا على المستوى الداخلي لا نكرِّر أخطاء تبدو للكثيرين أنها تُوقف عجلة الوصول لسورية المتجددة التي نريدها، أو لم تعد تتناسب مع متطلبات المرحلة القادمة، فكيف ذلك؟

قبل أمس قدَّم أحد أبناء «الجمعية الخيرية الشركسية» عرضاً بالخناجر خلال فعاليات المعرض، قد يكون هذا العرض من الناحية الفنية بسيطاً، مقارنةً بما قد نراهُ في السيرك العالمي، لكنه بدا إسقاطاً مهماً جعل منه أكثر من مجردِ عرضٍ؛ القضية لا تبدو مجردَ طفلٍ يلاعب مجموعةً من الخناجر يتحسس نصالها ويخاطر بإمساكها ليرسلها مجتمعةً إلى الهدف، القضية كم من الخناجر التي استهدفت الوطن حاولنا السيطرة عليها ورددناها إلى أعقابها لدرجةِ أننا اضطررنا أن نمسك بعضها من النصال متعالين على الجراح حتى نحقق الهدف.

لاشكَّ بأن سنوات الحرب علمت المواطن السوري الصبرَ وابتداعَ طرقٍ كثيرة يتجاوز فيها شظفَ العيش بل أوحت لكلِّ محبٍ لبلده القدرةَ على الابتكار وقد يكون ابتكار التوصيفات هو أحدها، فيوماً ما قلنا مثلاً إننا في هذه الحرب نراقص الشياطين ولا نرقص معها، لأننا فعلياً راقصناها بمفهوم القدرة بالسيطرة عليها، لا بمفهوم التوازي معها في حركاتها، لأن هذا أقصى ما يمكنك فعله عندما تتحقق مقولة «الجحيم فارغ والشياطين كلها من حولك».

إن الانتهاء من الحرب على هذه الشياطين يسير بالتوازي مع العمل على ترويضِ الخناجر، تحديداً تلك التي لم تكن من صناعةِ العدو، فالمعركة تصبح أشرس مع ترويضِ الخناجر التي جهزناها بأنفسنا، لأنها قد لا تحمل صفة الغدر بل «سوء التقدير»، تحديداً عندما ظننا أنها إذا كانت مغمودة فستبدو تحفة للزينة، وتجاهلنا أن أخطاءنا ستدفعنا لمرحلةٍ لا نعلم متى تغرس نصالها في جسد الوطن، ولعل ضمن ما يتسع له كلمات هذا المقال فإننا نبدو أمام مثالين عمليين:
أولاً، الأسلوب المُكرر منذ ما يُقارب الخمسين عاماً باحتواء ما يسمى «الإسلام السياسي»؛ هذا الاحتواء مهما حاولنا تجميلهُ أو المبالغةَ في الحديث عن إنجازاته، هو إخفاق ذريع، ولعل أساسيات إخفاقه ظهرت في هذه السنوات الست من الحرب على سورية تحديداً.

إن هذا «الإسلام السياسي» الذي لا علاقة له بجوهر ديننا الحنيف، لم يكن له أي دور عملي بمصالحة وطنية، ولا بلجم الفكر المتطرف، ولا حتى برفع الحالة الوطنية التي تقود الإنسان ليستشهد دفاعاً عن وطنه، هم فقط مجرد واجهاتٍ إعلامية لكننا لم نعد نفهم مجرد واجهات لماذا؟ إذا كانوا لا يقدمون ولا يؤخرون، بل لو كنا موضوعيين أكثر لقلنا إن هذا «التفاهم» مع هذه الواجهات هو بمنزلة معطلٍ للانطلاق نحو سورية المتجددة، ما يدفعنا لأن نطرح على أولي الأمر سؤالاً منطقياً: ألم يحن الوقت للتفكير بطريقة مختلفة؟ لأننا كمواطنين لا نسمع إلا شعارات بتنا نتعاطى معها تماماً كما نتعاطى مع شعار «الحرب على الفساد»، فهناك من يحدثنا عن «تجديد الخطاب الديني»، وهنا نسأل ببساطة: هل المواطن الذي تربى في هذه الفسيفساء السورية بحاجة لهذه الشعارات المملة؟ ثم إن تجديد الخطاب الديني بالمفهوم العام يطرح الكثير من التناقضات قد يَسقط مطلقوها بحالةٍ من الضياع عند أول نقاش، فهل هم جاهزون لذلك؟ رجل الدين عندما يتحدث في السياسة سيكون عرضة للانتقاد أياً كانت العباءة التي يرتديها، وعندما يتم انتقاده يقولون إنه رجل دين لا يجب الاقتراب منه، تحديداً إن بدعة «لحوم العلماء مسمومة» تحاصر أي شخص يحاول التفكير بطريقة عقلانية وعليه إما أن يخلع عباءة الدين ويحدثنا في السياسة، أو يبقى رجل دينٍ ولن ندخل معه في خلافاتٍ فقهية، لأن جوهر الدين بالنسبة لنا معروف.

ختاماً من يرد إقناعنا أن كتاباً من قبيل «فقه الأزمة» وما فيهِ من مغالطات أو رفع شعارات جوهرها ديني وكأنها التي حمت سورية أو حبل النجاة لها، فهو لا يزال يعيش أوهاماً لا أمل له من النجاة منها، لكننا حكماً لسنا مضطرين بأن نبقى نشد مصيرنا إلى مصيره بحبلٍ واحد حتى لو اضطررنا كمواطنين لقطع هذا الحبل، بمعنى آخر: من بعدِ اللـه، فإن الجيش العربي السوري وصمود الشعب السوري هما صاحبا الفضل فقط بهذا الانتصار، فالسوري تربى أن الدين في قلبه، فدعوه وشأنه بعيداً عن خطاباتكم وشعاراتكم، والحل المنطقي للمرحلة القادمة أن نجرب أسلوباً آخر، وفي مجتمعاتنا الحل الوحيد هو إبعاد كل ما هو ديني عن التداخل في السياسة.

ماذا عن المثال الثاني؟
يوماً ما قالوا إن المثقف هو أكثر من يجيد فعل الخيانة، لأنه الأقدر على تبريرها، في مجتمعاتنا قد نتفق أن مشكلتنا الأساسية هي في النخب المثقفة، فهي إما فعلياً نخب مثقفة تغرد خارج سرب الفكر القطيعي، لكنها وللأسف تتعاطى مع من حولها بترفٍ فكري لا يجدي نفعاً، بل إن هؤلاء بالمناسبة يتعاطون مع من حولهم بديكتاتوريةٍ فكريةٍ قد لا نراها عند التكفيريين ذات نفسهم، فبالنسبة لهم حتى ممارسة الشعائر الدينية هو «إرهاب»، والحديث عن الانتماء لقضيةٍ سياسيةٍ هو «خطاب خشبي» وعندما تسألهم ما رؤيتكم يكررون خطاباً أكاديمياً لا طائلَ منه، ويتناسون أن أهم صفات المثقف المؤمن ببلدهِ، أن يخاطب الشريحة الأكبر بلغةٍ قريبةٍ من محيطهم لا بلغة لا يفهمها إلا من رحم ربي، أو أنهم أشخاص ألبستهم بعض أجنحة السلطة، بدلاتٍ رسمية، وكتبت عليهم «نُخب مثقفة»، وهي كشريحةٍ أخطر من الأولى بآلاف المرات، لأنها تجعل من الجاهل خطيباً، ومن الأمِّي مفوَّهاً، ومن الوصولي مفكراً، ومن العاطلين من العمل باحثين إستراتيجيين، وفي كل الأحوال يصبح هؤلاء سلاحاً ذا حدين في آن معاً، والدليل هو حجم هؤلاء الذين انقلبوا على من قدمهم ومن كان السبب بظهورهم.

هؤلاء اليوم أياً كانت مسمياتهم تجاراً، ممثلين، منتفعين، هم قادرون ببساطةٍ أن يتعاطوا مع كل المتغيرات، تحديداً إن الشخص الذي لا مبدأ له يكون التلون بالنسبةِ إليه حالةً منطقية، لكن المشكلة هنا لا تبدو في ذاك الشخص، وإنما تبدو بمن قدمه أو يحاول إعادة استنساخ الفكرة ذاتها وإعادة تعويمِ شخصياتٍ جديدة بالأسلوب ذاته، ولهؤلاء نطرح تساؤلاً منطقياً، إلى متى سنبقى في حالةِ رعبٍ من «الفكرة»؟ لماذا نريد أن تكون الأفكار معلبة ومصنعة وتحويل كل من لا يحمل فكراً ببغائياً إلى «عدو محتمل»؟

قبل أن نأخذ الجواب ولا نتوقع الحصول عليه بالقريب العاجل، لكن إلى وقتها، نذكركم بالحكمة القائلة إنك ساذج عندما تكرر الأمر ذاته وفق الظروف والمعطيات ذاتها، وتتوقع نتيجة مختلفة.

ندرك كما يدرك الجميع أن ما جرى في معرض دمشق الدولي والصور الواردة لهذا الطوفان البشري، وما يجري من حراكٍ إن كان استعدادَ التائبين للعودة لحضن الوطن أم انضمام فصائلَ جديدة لاتفاقِ الهدنة، هو عملياً إيذانٌ بأن الحرب على سورية بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة، والقضية لا تحتاج لتحليلٍ سياسي ولا لإجراء ترابطٍ في الأحداث، لذلك أولويتنا اليوم للشأن الداخلي وأن نكون صريحين في التعاطي مع المشاكل التي واجهتنا وألا نكرر الأخطاء ذاتها تحديداً إننا مقبلون على عملية إعادة إعمار، ولا يختلف اثنان أن إعادة إعمار النفوس أهم بكثيرٍ من إعادة إعمار الحجر، وبالتالي دعونا نتعاطَ مع الخناجر المحتملة بالطريقة التي كان يتعاطى بها ذاك الطفل، لكن إياكم بالنهاية أن تتجاهلوا أن الخنجر مهما ظننت نفسك قادراً أن تسيطرَ عليهِ، سيبقى خنجراً، وإلا لا يحق لنا أن نحمل رايةَ الدفاع عن الشعار الأهم: سورية أكبر من مجرد وطن.