لمن تُفتح قاعات الشرف؟!

لمن تُفتح قاعات الشرف؟!

ثمن النصر ومشاكله ليست بالقليلة، وأعتقد أن أعداءنا وخصومنا لن يتركونا ننعم بالمعجزة السورية التي ما تزال تذهل الكثير من المراقبين والمحللين وصناع القرار في العالم، ومصطلح المعجزة ليس لي، بل لأحد الخبراء الكبار في دولة حليفة لنا، إذ قال قبل فترة في جلسة معه: إن ما حدث في سورية معجزة بكل معنى الكلمة، وإن أي تحليل علمي لما حدث لا يمكنه تفسير قدرة سورية على مواجهة هذا المشروع التآمري الكبير، ولو استخدمت الأدوات نفسها والأموال والإعلام والحصار، على بلد آخر غير سورية، لسقط منذ الأشهر الأولى.

إذاً: نحن على أبواب نصر، سيكون له تداعياته الكبيرة على المنطقة والعالم، ولأن هذا النصر مفصلي ومؤثر وهائل، فإن مشاكله لن تكون قليلة، وعلينا جميعاً أن نتعاطى معها بحكمة وذكاء وشجاعة وبراعة.

إحدى هذه المشاكل هي بدء عودة «التائبين»! إن صح هذا التعبير من ناحية، وإن كانت نياتهم صادقة من ناحية أخرى، إذ تابعت على وسائل التواصل الاجتماعي تعليقات عديدة حول هذه القضية منها من هو غير مرحب به أبداً، ويعتبر هؤلاء ثلة من المنافقين والدجالين الذين انقلبوا في مواقفهم بعد أن رأوا أن كفة الوطن وجيشه وقائده رجحت بشكل واضح نحو الانتصار النهائي على المشروع التكفيري الإرهابي المدعوم صهيونياً وغريباً وخليجياً، وأن البدائل القذرة التي كانوا جزءاً منها قد انتهى مفعولها، وحان الوقت لرميها في مزبلة التاريخ، كما قرأنا في كل الكتب وخلاصاته ودروسه، أن نهاية العملاء هي هكذا كانت وستبقى.

وجهة النظر الأخرى تقول إن التغطية الإعلامية لعودة هؤلاء قد يكون لها تأثير إيجابي من خلال انعكاسها على التشكيلات المعارضة وانهيارها، وإن هذا الإجراء تكتيكي بحت ويجب ألا يعتقد أحد أنه لا معايير لتصنيف هؤلاء حسب حماقاتهم وارتكاباتهم، ومثل هذه التكتيكات يجب فهمها لأنها تساعد في حقن الدماء، والتسريع في إنهاء الأزمة، ولا علاقة لذلك بقدسية دماء الشهداء، حسب ما قال أصحاب هذا الرأي ووجهة النظر الأخرى.

هذا السجال الذي سيتواصل قريباً مع كثرة عودة هؤلاء، هو سجال صحي وحقيقي، لأن الثمن الذي دفعه السوريون كان غالياً وكبيراً، ومن ثم ليست الأمور بهذه السهولة والبساطة، وخاصة أن ادعاء البعض أنه اكتشف أن سورية تتعرض لمؤامرة كونية بعد سبع سنوات، هو كلام تافه، ويعني فيما يعنيه أن الشخص الذي اكتشف ذلك يجب أن يمارس أي مهنة أخرى غير السياسة والشأن العام، ذلك أنه إما سميك الدماغ ولا يستوعب ما يجري وإما أنه يحاول أن يمرر كذبة كبيرة علينا، ويريد منا أن نطنش عليها وألا نكتشفها، ونصدق أنه كان يمثل علينا طوال سنوات سبع عندما كان يشتم جيش بلاده ورئيس بلاده ويحتقر دولته والنظام السياسي فيها، ويشن حملة إعلامية على كل من يواجهه على الشاشة ويتهمه بأنه شبيح، وفاسد، و.. و..، لا بل إنهم اتهموني مثلاً أنني مجوسي وصفوي.. إلخ، في محاولة لمنعي وزملاء لي الاستمرار في التصدي لإعلامهم المغرض، وادعاءاتهم الكاذبة.

ولأننا لسنا بسطاء وسذج، كي نصدق التوبة فور تلاوتها، ولكني سأحاول أن أقارب المسألة بطريقة عقلانية أكثر ومنطقية، ولكن عاطفية أيضاً، من خلال ما يلي:
1- إن عودة أي مواطن سوري إلى بلده هي حق له لا يستطيع أحد حرمانه منها، لأن هذا الوطن هو لكل السوريين بغض النظر عن الخلاف السياسي.
2- صحيح أن العودة هي من حقه، وهنا أتحدث عن أولئك الذين تنطعوا لأدوار سياسية، وليس عن أي مواطن سوري آخر، من أن على هؤلاء حين يعودون أن يطأطئوا رؤوسهم وألا يحدثونا كثيراً عن عواطفهم ومشاعرهم الجياشة، واكتشافهم المفاجئ للمؤامرة على بلدهم ورفضهم تقسيمه، وكأنهم سيغيرون معادلات الشرق الأوسط فور انقلاب مواقفهم، والحقيقة أنهم لم يكونوا ضمن الحساب خارج سورية ولا داخلها، ولذلك أدعوهم للتواضع والإقلال من البيانات والتصريحات، فكل شيء بات واضحاً للسوريين.
3- بقدر ما نطالب هؤلاء بالإقلال من الكلام وطأطأة الرأس حين العودة، فإننا نطالب المسؤولين عن إخراج هذه المسألة أن يكونوا أكثر ذكاءً ونعومة في التعاطي معها، بحيث لا تتحول قاعات الشرف في المطارات إلى أماكن احتفالية بهؤلاء، بل أن تجري الأمور بهدوء، ومن دون ضجة كبيرة كي لا تستثار مشاعر السوريين الذين عانوا ما عانوه من آلام وأحزان ومصائب لم تنتهِ حتى الآن.

مهما قيل عن المسامحة والمصالحة، فإننا جميعاً متفقون عليها كمخرج تاريخي لعودة اللحمة الوطنية وإعادة بناء سورية على أسس جديدة نتجاوز من خلالها أخطاء الماضي، ونخفف من المنافقين والدجالين قدر الإمكان، ولكن ذلك لا يعني أبداً أن نضع من قضى سنواته السبع خلال الحرب في الفنادق والقصور والسيارات الفارهة، وهو يسب ويشتم، بمكانة الفلاح والمعلم والموظف والأستاذ الجامعي والتاجر ورجل الدين وربة المنزل… إلخ، الذين تحملوا جرائم الإرهاب وقطع الكهرباء وقطع المياه والحصار الجائر والكلام البائس والسب والشتم والآلام والأحزان، إذ لا توجد عدالة في الكون تؤمن بذلك!

لذلك نقول: إن قلوب السوريين على كل ما يعتصرها من آلام وأحزان، مفتوحة للجميع، شرط أن تكون هذه التوبة صادقة ومؤمنة، فإعادة بناء الثقة من أصعب الأمور في الحياة، كما أن هذه العودة لا تحتاج لفتح قاعات الشرف لهؤلاء، ذلك أن قاعات الشرف أيها السادة يجب أن تُفتح لأهالي الشهداء والجرحى أولاً، ولكل من ضحى وصبر وواجه العدوان على بلده وشعبه بالكلمة أو بالعمل أو بالالتزام، والبقاء مخلصاً لوطنه، وليس لكل من هبّ ودبّ، وحتى لو أعلن توبته، «فالوطن ليس فندقاً» كما اعتقد البعض، لكنه شرف الإنسان وانتماؤه وهويته وجذوره، ومهما اختلف مع الآخر، وأي آخر في وطنه، فإنه لا يحق له أن يخون وطنه، ويتآمر عليه تحت هذا الشعار.

باختصار: أهلاً وسهلاً بعودة التائبين، لكن كما قلت لهم: طأطئوا رؤوسكم، إذ لا يوجد ما يدعو للافتخار ورفع الرؤوس، ولا توجد حاجة لفتح قاعات الشرف فهذه القاعات لمن عَرفَ، ويعرف معنى الشرف أساساً.