سورية أمام مسارٍ جديد

سورية أمام مسارٍ جديد

جملة من التحولات الدولية والإقليمية تواكب الاقتراب من الذكرى السنوية السادسة لبدء الحرب الكونية على سورية. فالراعي الأساسي لهذه الحرب الولايات المتحدة الأميركية تمر بمرحلة من الاضطراب السياسي نتيجة الفوز الحاسم للمرشح الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية خلافاً لكل التوقعات والاستطلاعات التي روجت لها مراكز الدراسات والإحصاء والتفكير الأميركية كما مؤسسات الصحافة والإعلام والدعاية السياسية العريقة والتي تبين أنها لم تنجح في دفع أغلبية الناخبين الأميركيين للتسليم بالنتيجة المعدة مسبقاً والاقتراع لمنافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون. وبالتالي فإن هذا الاضطراب الذي قد تطول مدته وتتوسع مفاعيله على واقع الإدارة الجديدة لجهة استنزاف انطلاقتها بسبب الانشغال بالقضايا الداخلية، سيطبع سياستها الخارجية بصفة اللامبالاة بعدما أن كانت إدارة أوباما السابقة قد تأرجحت بين اللاقرار ومحاولات استنساخ المقاربات أو الوصفات السابقة تجاه العراق وليبيا وغيرها من الدول العربية التي جرفها تيار ما سمي «الربيع العربي». كذلك كان ومازال حال الحكومات البريطانية التي لا تعدو كونها فِرَق كشافة تابعة للإدارات الأميركية المتعاقبة تستطلع لها الطرق السياسية والعسكرية والدبلوماسية وتمهد لها من خلال تحضير مسرح تنفيذ مشاريعها، وهي قامت بذلك في العراق وليبيا وسورية واليمن وحتى إيران في معرض تهيئة الأرضية التفاوضية المناسبة لإنجاز الاتفاق النووي.

وتبدو فرنسا أنها تميل مع المرشح اليميني المحافظ فرانسوا فيون إلى استعادة شكل ما من الاستقلال عن التوجهات الأميركية في مقاربة الملفات الخارجية وخصوصاً منها الشرق أوسطية، وبالتالي التراجع عن الشعارات والمواقف التي أغرق الرئيس الحالي فرانسوا هولاند نفسه وحكمه بها تلبية لتلك التوجهات.
أما ثلاثي الإرهاب الإقليمي «السعودية، تركيا، قطر»، فلا يبدو أنه يفكر في إجراء مراجعة تقيه تداعيات حصول تلك التحولات أو حتى تمنحه موقعاً مقبولاً على طاولة التسويات الإقليمية المحتملة والتي سيكون لسورية كما لحليفيها الأساسيين إيران وروسيا مواقع ريادية حولها.

رغم ذلك، تحاول أنقرة أن تقدم نفسها حاجة ضرورية لموسكو وبالتالي لدمشق في تسريع الإطباق على تنظيم «داعش» في الشمال السوري امتداداً إلى الرقة مروراً بمدينة الباب، انطلاقاً من حجتها الواهية في حقها السعي إلى إبعاد هذا التنظيم عن حدودها وضمان شريط أمان قومي. لكن هذه المحاولات التي يقوم بها النظام التركي تجعله يقف في منطقة الخطر التي قد تنسف تفاهماته كافة مع القيادة الروسية وإلغاء الصفح عن تصرفاته السابقة، كذلك تضعه في موقع المواجهة مع الجيش العربي السوري الذي يراقب عن كثب تحركات مرتزقته.
أما الرياض الغارقة والمستنزفة بعدوانها الإجرامي على الشعب اليمني وبسعيها الدائم للنيل من العراق وسورية، فإنها تقترب أكثر فأكثر من التخبط والانعزال عربياً بعد الابتعاد الفعلي عن القاهرة بل يمكن القول إنها على أبواب مواجهة سياسية وإعلامية علنية معها.

صار من الواضح أن جهل القيادة «الشابة» السعودية المتمثلة بمحمد بن سلمان بالتاريخ وبالجغرافية السياسية يدفعه يومياً إلى ارتكاب الكثير من الأخطاء التي قد يكون بعضها مميتاً سياسياً وقومياً وخصوصاً إذا كانت ضد بلد مثل مصر. لم تعد المشكلة التي تتفاعل ضمناً حتى الآن بين الرياض والقاهرة اقتصادية أو حتى سياسية عادية أو جغرافية تتعلق بالجزيرتين المعروفتين بل تجاوزت ذلك لتصل إلى غضب القيادة المصرية من محاولات نظيرتها السعودية السيطرة على القرار السيادي المصري واستقلاليته وتمايزه، في وقت كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي واضحاً في التعبير عن هذه السيادة في تصريحه للإعلام البرتغالي حول دعم مصر للجيوش العربية الوطنية مسمياً السوري والعراقي والليبي، ومؤكداً بعد التدقيق معه أنه يقصد الجيش العربي السوري.
أما دولة قطر فليس من المفيد التعليق على تصريحات وزير خارجيتها، إذ يكفي أن نوقف بث ما يسمى «قناة الجزيرة» على الأقمار الصناعية حتى تزول عن الخارطة السياسية للمنطقة.

تبدو سورية أمام مسارٍ جديد في الأشهر القليلة المقبلة، ترسم معالم هذا المسار التطورات الميدانية المتسارعة في حلب والقنيطرة والغوطة وغيرها والتحولات المنتظرة التي تُبَشِر بانهيار منظومة رعاة هذه الحرب الكونية.