مقالات وآراء

ترامب.. سجل حافل وآفاق

من المعروف أن الولايات المتحدة نشأت على يد الرواد الأوائل والمهاجرين من شمال أوروبا، وكان هدف الفريق الأول إنشاء «قدس جديدة» منظمة وفقاً لشريعة موسى، وبسط حالة من النقاء فيها، وفي الوقت نفسه، كانوا يواصلون الاشتباك بين الإمبراطوريتين، الإسبانية والبريطانية.
أما الفريق الثاني فكان يحلم بالثراء في أرض تخيلها فارغة، بلا سكان، ومن دون قيود أو حكومة، ما خلا الحكم المحلي، وقد عرفت المجموعتان فيما بعد باسم «الواسب»، الأنغلوسكسون البيض والبروتستانت.

لقد تخيل «البوريتانيون» أي «التطهريون» أثناء صياغة الدستور نصاً مناهضاً للديمقراطية، مستنسخاً من آلية الحكم الملكي البريطاني، ولكن بعد نقل سلطات طبقة النبلاء إلى النخب المحلية، حكام الولايات، أثار هذا النص في حينه غضب المهاجرين من شمال أوروبا الذين بذلوا أرواحهم إبان حرب الاستقلال، وبدلاً من إعادة صياغة الدستور، أٌضيفت عشرة تعديلات، شكلت ما أُطلق عليها اسم «ميثاق الحقوق».

لقد مكنتهم هذه الإضافات من الدفاع عن أنفسهم أمام المحاكم ضد «عقل الدولة»، إلى أن اعتمد الكونغرس على عجلة من أمره في 13 أيلول 2001 قانوناً جديداً باسم «باتريوت آكت»، عُلقت بموجب أحكامه «ميثاق الحقوق» في جميع الظروف المتصلة بالإرهاب، فأصبحت الولايات المتحدة محكومة منذ ذلك الحين وفقا لمبادئ «البوريتانيين» المتشددين.

مشروع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أميركا أولاً، يجب أن يفهم على أنه محاولة لاستعادة «الحلم الأميركي» ضد المشروع الإمبريالي، ووهم التعددية الثقافية، فقد عمل منذ وصوله إلى البيت الأبيض على ثلاثة محاور رئيسية: تطوير الاقتصاد وكبح النقد. تفكيك «الإمبراطورية الأميركية»، واسترجاع الجمهورية. الدفاع عن «الواسب» وطرد المهاجرين من أصل إسباني الذين يرفضون الاندماج في الثقافة الأميركية.
ولهذا أصدر ترامب مؤخراً قراراً يقضي بتعيين جيروم باول رئيساً للمصرف الاحتياطي الفدرالي، وهي المرة الأولى التي لا يكون فيها على رأس هذه المؤسسة رجل اقتصاد، بل حقوقي، أنيطت به مسؤولية وضع حد نهائي للسياسات النقدية المتبعة، وتصور أنظمة جديدة من شأنها توظيف رأس المال في خدمة الإنتاج، وليس المضاربات.

من المفترض أن يؤدي الإصلاح الضريبي الذي يقوده ترامب إلى إزالة جميع أنواع الإعفاءات الضريبية، وتخفيض الضرائب على الشركات بنسبة تتراوح بين 35 إلى 22 بالمئة، ولأن هذه الإعفاءات مرتبطة أصلاً بإصلاح النظام الجمركي، فسوف تؤدي إلى فقدان ربحية العديد من فرص العمل التي غادرت أوطانها، ودفع مختلف الصناعات إلى العودة إلى البلاد.

وعلى المستوى الدولي، فقد وضع حداً نهائياً لعمليات تجنيد جهاديين جدد، فضلاً عن الدعم الذي كانت تقدمه بعض الدول لهم، وخاصة بريطانيا وقطر وماليزيا، نظراً لاستمرار هذه الدول الثلاث بانتهاج سياسة دعم الإرهاب.
في المقابل لم ينجح حتى الآن بإيقاف مشاركة الشركات المتعددة الجنسيات وبعض كبار المسؤولين الدوليين، في عمليات تنظيم وتمويل الجهاد العالمي، وبدلاً من حل منظمة حلف شمال الأطلسي «الناتو»، وفقاً لتصوره الأساسي، فقد حوله جذرياً، حين فرض عليه التخلي عن استخدام الإرهاب كإستراتيجية حرب، وأرغمه على أن يصبح، هو نفسه، حلفاً مكافحاً للإرهاب، كما سحب ترامب الولايات المتحدة من معاهدة الشراكة العابرة للمحيط الهادي المناوئة للصين.
وردا للجميل، عمدت بكين إلى تخفيض التعريفات الجمركية بشكل كبير، ما يشير إلى أنه من الممكن ترجيح التعاون، بدلا من المواجهة السابقة بين الدول.

على الصعيد الداخلي، عين ترامب القاضي نيل غورسوتش في المحكمة العليا، وهي الهيئة المكلفة بتطوير تفسير الدستور، بما في ذلك «ميثاق الحقوق»، وهو أيضا قاض اكتسب شهرته من خلال الدراسات التي قام بها عن المعنى الأصلي لهذه النصوص، وهو بهذا الخصوص قادر على إعادة بناء توافق حول إعادة تكوين الولايات المتحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock