|
نظرة واحدة على ملف تطور العلاقات السورية التركية والحالة المتقدمة التي بلغتها هذه العلاقات خلال السنوات القليلة الماضية ..نظرة واحدة تكفي ليدرك المرء كم كان الانجاز كبيرا وكيف تستطيع الامم النجاح اذا أرادت تعبيد الطرق والجسور وخلق المناخات الطيبة فيما بينها خلال زمن قياسي , إن هذا الملف يستحق التحول إلى بحث علمي يدرس في الجامعات ليتعلم الطلاب كيف حول قادة البلدين الإرادة إلى طاقة خلاقة أزالت العقبات من الدروب التي كنا نظن أنها محكومة بتركة التاريخ وسوء الفهم المزمن , منذ البداية وضع الرئيس الراحل حافظ الاسد القاعدة الأولى لتصحيح العلاقات أواخر العقد الأخير من القرن الماضي , كان قادة تركية في ذاك الوقت قد أطلقوا نفير الحرب وقرعوا طبولها وحشدوا لها الجند والمدافع لكن رد الشام كان شديد الوضوح لن يستدير جنودنا إلى الخلف للإنجرار إلى حرب وهمية , هذه ليست معركتنا المصيرية ولن نقع في الفخ الذي تسر له اسرائيل وتفرح , تركيا بلد جار ونحن على استعداد للحوار والتفاهم وعلى هذه القاعدة أطلقت في تلك اللحظة ماستعرف بعد ذلك باسم اللجنة الامنية المشتركة , وهذه البداية كانت كفيلة بتبريد الخطوط والقلوب والانتقال نحو التغيير الشامل لبنية العلاقات بين دمشق وأنقرة والذين عاشوا تلك الايام وعرفوا خباياها يدركون أين كنا وإلى أين وصلنا , حدود طويلة تمتد مئات الكيلومترات من البحر المتوسط إلى نهر دجلة يسودها التوتر بالمعنى العسكري والأمني والسيكولوجي وضغط غير مسبوق لسحب جنودنا من الجبهة الحقيقية ضد اسرائيل لزجهم في جبهة أخرى وهمية ضد تركية وعلى الجانب التركي حقول من الألغام تحتاج إلى عقود طويلة من الزمن لإزالتها وفي وسائل الإعلام التركية تصور سورية كبلد منتج للغيلان والرعب وعلى المعابر الحدودية بين البلدين يعامل المواطن السوري كمتهم لن تثبت براءته أبدا فيما إسرائيل تلعب على التناقضات ويبحث جنرالاتها عن ثغرات للتسلل منها إلى غرف صناعة القرار التركي , وفي المحطة المفصلية الثانية قام الرئيس بشار الاسد عام 2004 بزيارة تاريخية الى تركية عرفت وقتها بزيارة الثلج اذ أضاف بياض الثلج الذي هطل ذاك اليوم بعداً شاعرياً على بياض الحدث وهذه الزيارة وضعت الأسس العلمية والعملية لانطلاقة العلاقات بين البلدين وبالطبع ما كان لهذا التحول أن يتم لولا التقاط الرئيس بشار الأسد للحظة التحول التاريخية في تركية مع وصول قادتها الجدد إلى سدة الحكم والذين تفاعلوا مع التوجهات السورية وبنوا عليها , كنت يومها في عداد الوفد الصحافي المرافق للرئيس الاسد في زيارته إلى أنقرة ثم إلى اسطنبول عندما سمعت لأول مرة الاتراك يتحدثون عن سورية الشقيقة , ولم تكن هذه من العبارات المألوفة خصوصاً بالنسبة لي وانا المتابع اليومي لتفاصيل ماكان يكتب وقتذاك في صحف اسطنبول ومايبث في قنواتها وحسبت كما ظن غيري أنها من المجامالات التي يتقنها الاتراك المسكونين بالبرتوكول ولكني كنت مخطئاً فقد كان الأتراك جديون في كل كلمة قالوها والخط البياني للتطور الاقتصادي بين البلدين ومواقف تركية السياسية بعد ذلك تحمل البراهين على أن هؤلاء السادة يتصرفون كأشقاء فعلا , وتوالت التحولات في السياسة والاقتصاد عبر خطوات مسؤولة تبني على مايطور وتزيل مايعيق وصولاً إلى تلك الأمسية الرمضانية المجيدة قبل أقل من عام عندما احتفلت اسطنبول هذه المدينة الفريدة بدعوة الرئيس بشار الاسد الضيف الكبير إلى افطار حزب العدالة والتنمية الرمضاني ليطلق الزعيمان بشار الاسد ورجب طيب اردوغان مفاجأتهما الجديدة ( قرارمشترك : ينتقل السوريون والاتراك بين البلدين من غير سمة دخول ) وهكذا فتحت الآفاق بين عالمين بعدما أعتقد لوقت طويل أن تلك الخطوة تنتمي إلى عالم الخيال والتمني وبالطبع لم تستطع المكنات البيروقراطية في البلدين من إعاقة القرار بالتفسيرات والملاحق السخيفة فقد كان القرار فورياً ومن غير تردد واليوم يتدفق المواطنون السوريون والأتراك بين البلدين بحرية ويسر كما لم تكن الحالة في أي يوم مضى منذ تشكل الحدود مطالع القرن العشرين , وبعد أسابيع من هذا الحدث أعلن عن تشكيل الهيئة الاستراتيجية العليا للتنسيق بين البلدين وعقد أول مجلس وزراء مشترك في حلب ثم في غازي عنتاب واحتفل بشكل مهيب باسقاط رمز الحدود ورفعت الخشبة التي تفصل بين الأمتين والشعبين وتوجت بالتوقيع على أكثر من خمسين اتفاقية تعاون تشمل كافة الجوانب واليوم يصل الرئيس بشار الاسد الى اسطنبول ليعاين والقادة الاتراك عبد الله غول ورجب طيب اردوغان حال التعاون وقد قطع شوطاً كبيراً وكبيراً جداً إن في المجال الاقتصادي وإن في المجال السياسي وإن في المجال الثقافي السيكولوجي حيث تشكل تركية اليوم عمقاً استراتيجياً لقضايا العرب وهي التي قدمت وقدم شعبها الكبير صورة ملحمية عن هذا الدعم اللا محدود تفاعلاً مع الأحداث التي عاشها لبنان ثم عاشتها غزة , لقد قدمت سورية وتركية صورة مميزة عن الطريقة النموذجية لتعميق العلاقات بين شعبين وامتين قررتا وضع التاريخ في الرأس وليس وضع الرأس في التاريخ , واذا وسعنا النظر اكثر ونظرنا الى هذا الحوض الاستراتيجي المسمى الشرق الاوسط فاننا نلاحظ كيف نجحت الدبلوماسية السورية من التقاط اللحظات المناسبة لكسب دول الجوار في معركة الامة المصيرية , معركة البقاء والوجود , في الثمانيات التقط الرئيس الراحل حافظ الاسد اشارات التحول في ايران وبنى افضل العلاقات مع قادتها الجدد ووظف هذه العلاقات في خدمة قضايا الامة ومن يقرأ التاريخ جيدا يعرف ماذا كسبت الامة من هذا التحول وفي مطالع القرن الحالي التقط الرئيس بشار الاسد اللحظة المناسبة في التحول على الساحة التركية وبنى مع هذا البلد افضل العلاقات ووظفها في خدمة قضايا الامة والذين يحبون التبصر في فهم الموازيين الاستراتيجية يدركون كم ان هذا عملا ناجحا وموفقا وبارعا .. في الماضي كانت ايران وتركية الى جانب اسرائيل واليوم تركية وايران الى جانب العرب وسوريا واظن ان هذا الامر لا يحتاج الى شروحات اضافية .
|