|
عندما سئل وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك عن الجدار المزمع إقامته على الحدود مع مصر، والذي يتزامن مع إنشاء «الجدار الفولاذي» الذي تقيمه السلطات المصرية على الحدود مع قطاع غزة، لم يجد بداً من الاستعانة بالتراث التوراتي الذي يقول: إن «الجدران الجيدة تخلق جيراناً جيدين»، معيدا بذلك استحضار عقلية «الغيتو» التي وسمت حياة اليهود في أوروبا، خلال قرون عديدة، مع فارق أن إسرائيل، ومنذ إقامتها في عام 1948، هي مصدر اضطهاد الجيران، وصابّاً المزيد من الماء في طاحونة الساعين إلى إسباغ بعد ديني على الصراع العربي- الإسرائيلي وذلك بعد أن استكملت إسرائيل، بجدارها الجديد الذي يتوقع أن تبلغ تكلفته بين مليار ومليار ونصف المليار دولار، ويتكون من مقطعين من السياج الحدودي مع مصر. الأول يبدأ من قطاع غزة ويتجه نحو الجنوب بطول 50-60 كيلومتراً، والثاني يبدأ من إيلات ويتجه شمالاً بطول 50-60 كيلومتراً، ويفصل بينهما حاجز طبيعي يمتد بطول 180 كيلومتراً، وهو منطقة جبلية يصعب عبورها، إحاطة نفسها بالجدران والأسيجة العازلة والأبراج المحصنة للمراقبة ومجسات إلكترونية وأجهزة رادار ورؤية ليلية.
الذريعة الإسرائيلية الرئيسية لإقامة الجدار الذي اعتبرت الولايات المتحدة أن بناءه يتطابق مع «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وحماية حدودها»، وهو الأحدث في سلسلة الجدران التي تتضمن سياجاً حدودياً، يشتمل على جميع المركبات الأمنية على طول الحدود مع سورية ولبنان، وسياجاً حدودياً قديماً على طول الحدود مع الأردن، إضافة إلى بناء 510 كيلومترات من أصل 810 كيلومترات من جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، وإحاطة قطاع غزة بسياج حدودي محكم، هي محاولة منع تسلل المهاجرين غير الشرعيين الذين يمكن أن يغرقوا البلاد، ولاسيما بعد أن تحولت الحدود الإسرائيلية- المصرية إلى نقطة عبور رئيسية للمهاجرين وطالبي اللجوء ومهربي المخدرات.
وحسب وزارة الداخلية الإسرائيلية، فإن نحو 300 ألف شخص غير شرعي، بينهم 100 ألف من عمال مهاجرين وسياح، تجاوزوا فترة إقامتهم المسموح بها، ومعظم هؤلاء من الأفارقة الذين يتوجهون إلى إسرائيل هرباً من الفقر، بينما نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن مصادر في الشرطة الإسرائيلية قولها إنه «يتسلل» عبر الحدود مع مصر 100- 200 شخص أسبوعياً.
ما يلفت النظر في ظاهرة إقامة الجدران والأسيجة، التي ستحول قطاع غزة إلى كانتون مغلق مميت، هو أن ردود الفعل على الجدار الإسرائيلي الذي تغلق به إسرائيل دائرة حصارها على أبناء القطاع، لا تقارن بمثيلتها على «الجدار الفولاذي» المصري الذي تسميه سلطات القاهرة «إنشاءات هندسية» يجري تدعيمها بـ23 برج حراسة إسمنتية مجهزة بنوافذ زجاجية مقاومة للرصاص، وبتجهيزات إلكترونية تسمح بمراقبة الاتجاهات الأربعة والتعامل مع أي أهداف تشكل خطراً على الحدود، وكذلك ببناء مرسى لزوارق الدورية على الحدود البحرية مع القطاع، بذريعة وضع حد لـ«تهريب السلاح» إلى قطاع غزة بوساطة فلسطينيين. حيث تسير أعمال بناء الجدار المصري كتفاً إلى كتف مع الانتقادات والفعاليات والأنشطة المناهضة التي تتوسع مروحة اتهاماتها لنظام القاهرة، وتلامس قضية الانصياع للأوامر الإسرائيلية- الأميركية، وفقاً لمذكرة التفاهم الأمنية التي وقعتها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس مع نظيرتها الإسرائيلية تسيبي ليفني، قبل يومين من توقف العدوان على قطاع غزة، أي في السادس عشر من كانون الثاني 2009، توطئة لتوريث الحكم لنجل الرئيس مبارك، والتي تحتاج إلى مباركة أميركية (وإسرائيلية)، وذلك في مقابل التصريحات الرسمية العصبية المتوكئة على ذريعة ممارسة السيادة المصرية و«الحفاظ على الأمن القومي المصري» وفتوى «مجمع الشريعة الإسلامية» في الأزهر.
ما يعرضه الجانب المصري الرسمي حول طبيعة هذه «الإنشاءات الهندسية» وأسباب إقامتها ووظيفتها المفترضة، غير قابل للإعراب والتسويق في الساحة العربية والإقليمية، وخاصة في الشارعين الفلسطيني والمصري، ولاسيما أن الحجج والذرائع المقدمة تزامنت مع «تغريبة» قافلة «شريان الحياة»، وما رافقها من أعمال عنف واشتباكات تردد صداها في الجانب الفلسطيني من معبر رفح الذي شهد، هو الآخر، توتراً مع قوى الأمن المصرية.
كما تزامنت كذلك مع منع مئات الناشطين الدوليين من دخول قطاع غزة بحجة أن أغلبية هؤلاء هم من الجزائريات اللواتي لديهن جنسية فرنسية، ولا هدف لهن سوى تحريك المشاعر الإنسانية لاعتبارات سياسية لها علاقة بتداعيات مباراة كرة القدم يوم 18 تشرين الثاني الماضي بين مصر والجزائر في الخرطوم. إذ جل ما أفادت به الرواية الرسمية المصرية «المتلعثمة»، هو أن ما يقال عن جدار فولاذي ليس أكثر من مجسات حديدية حلزونية مقوّاة يبلغ سمك ألواحه أربعة سنتمترات، وهي مضادة للقنابل على عمق 18 - 20 متراً بطول يتراوح بين 7- 8 أميال، مع معدات متطورة للمراقبة منها أجهزة تعمل بالأشعة تحت الحمراء وأخرى تتبع الحرارة وكاميرات تصوير، إضافة إلى طريق محظور على غير الدوريات العسكرية السير فيها بمحاذاته فوق الأرض.
أما حيثيات استكمال أعمال هذه الإنشاءات التي اتخذ قرار إقامتها منذ نحو عام تقريباً، فهي توجيه رسالة طمأنة إلى الجهات الدولية التي تحتج بقوة على وجود الأنفاق، وتأمين حدود مصر وسلامة إقليمها وأمان شعبها، لكون الأنفاق تشكل ممراً آمناً لتهريب السلاح والمخدرات والإرهابيين، ووضع حد للطموحات والمخططات الإسرائيلية في الفصل بين غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، وتالياً الوقوف في وجه المساعي المتواصلة للالتفاف على اتفاقية المعابر التي وقعت في تشرين الثاني 2005، وفرض أجندة حركة «حماس» الخاصة، والتي تخدم، في المحصلة، توجهات إسرائيل من خلال إعفائها من مسؤولياتها عن المليون ونصف المليون مواطن فلسطيني في مدن ومخيمات غزة، وتحميل النظام المصري المسؤولية عن القطاع.
وتذكَر بعض الأوساط المصرية أن أحلام تحويل قطاع غزة من مشكلة إسرائيلية إلى مشكلة مصرية لم تقف عند حد طوال السنوات والعقود الماضية، حيث طرحت مراكز الدراسات الإسرائيلية، نماذج عدة للتخلص من المشكلة منذ عام 1979، من نمط خيار الانسحاب أحادي الجانب، ونقل نسبة عالية من سكان القطاع إلى التوسع في صحراء سيناء، وقبول إسرائيلي بفكرة تبادل الأراضي.
لا بل إن الحرب الأخيرة ضد القطاع جاءت في هذا السياق، أي مضاعفة تفاقم مشكلة قطاع غزة المكتظ بمليون ونصف المليون من السكان في مساحة 362 كيلومتراً مربعاً، والتوقعات الإسرائيلية تفيد بمضاعفة عدد السكان في حدود 2020، أي بعد قرابة عشر سنين.
على الضفة الأخرى، يقف مناهضو إقامة الجدار بالمرصاد لكل حجج وذرائع السلطات المصرية من الألف إلى الياء، إذ يرون أن نظام القاهرة هو آخر نظام في العالم يحق له التحدث عن «الأمن القومي» و«السيادة الوطنية» بعد أن استسلم تماماً للإرادة الأميركية- الإسرائيلية منذ توقيع اتفاقيات «كامب ديفيد» وحتى اللحظة، وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصى، من بينها، الإفراج عن الجاسوس عزام عزام، واتفاقيات بيع الغاز والإسمنت لإسرائيل، والتي تكاد بشروطها المهينة أشبه بالجزية التي تدفعها مصر للإسرائيليين، والمشاركة في حصار الفلسطينيين، وأخيراً هذا الجدار الفولاذي الذي أقيم لخنق قطاع غزة وإسقاط حركة «حماس» التي يعتبر النظام المصري أن أي انتصار لها يعد دعما للإخوان المسلمين، ما يهدد الحكم «الاستبدادي» في القاهرة.
أما حول الجدار الذي هو بالأصل فكرة إسرائيلية، بدأت باقتراح حفر حاجز مائي بعد إعادة نشر قوات الاحتلال حول حدود القطاع عام 2005، فيقول المناهضون، على لسان عضو «مركز الدراسات الاشتراكية» المصري محمد واكد: إن المعلومات المستقاة من إسرائيل، وكثير منها منقول عن مصادر مصرية، تفيد بأن طول الجدار يتراوح ما بين 10 و14 كلم، وعمقه تحت الأرض يصل إلى 30 متراً «أي ما يوازي مبنى ارتفاعه 10 طوابق»، الهدف منه الوصول إلى منسوب المياه تحت الأرض، للحيلولة دون بناء أنفاق، أو لرفع منسوب المياه، بحيث تؤثر على التربة لتكون رخوة بدرجة لا تحتمل بناء أنفاق، مشيراً إلى إقامة نظام «هيدروليكي» يضخ المياه المضغوطة في التربة، بعمق الجدار، ما يضر أيضاً بالبيئة، لأنه سيخلط مياه البحر المالحة بالمياه الجوفية التي تعتمد عليها المنطقة في الزراعة.
وهكذا، يتواصل السباق المفعم بالصراخ والشتائم والاتهامات، على حين يبدو الإسرائيليون في غاية السعادة والحبور لما يجري، ولاسيما بعد الاشتباك في رفح الذي يعتبر نذير شؤم، وإشارة واضحة على أن ثمة تقدماً إسرائيلياً في إبعاد القضية عن حدودهم ومسؤوليتهم، وأن شبح إعادة إنتاج حروب عربية- فلسطينية على غرار ما حدث في الأردن ولبنان ما زال ماثلاً. ولعل أي قراءة منصفة، بعيدة عن عبث المصطلحات وتراجيديا الشعارات ستوصل إلى مجموعة من الاستنتاجات الواقعية التي يمكنها المساهمة في عبور قطوع الأزمة الراهنة: ثمة حاجة ماسة لإعادة النظر في ما تسميه السلطات المصرية «إنشاءات هندسية» على الحدود مع قطاع غزة، وعمل ما يمكنها لتخفيف معاناة أهل غزة؛ إعادة الاعتبار لحقيقة أن من يشدد الحصار على قطاع غزة هو إسرائيل التي لا تزال، وفقاً لاتفاقية لاهاي 1907، قوة احتلال في القطاع لكونها تتحكم في كل شيء على الأرض والمنافذ وحركة الدخول والخروج، وتكفي الإشارة إلى المعابر الستة التي تفصل غزة عن إسرائيل، وإغلاق البحرية الإسرائيلية لمنافذ القطاع المائية الممتدة على مدى أكثر من أربعين كيلو متراً من المياه الإقليمية؛ التحرر من وهم إمكانية إقامة «حكم مستقل» في قطاع غزة مفتوح على العالم عبر مصر، وفصل راهن ومستقبل القطاع عن الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية والقدس، وتالياً التوجه، فوراً، نحو إنجاز المصالحة الفلسطينية التي توفر، واقعياً وعملياً، حلاً ملائماً لقضية الحصار عبر العودة إلى اتفاقية المعبر التي وقعتها السلطة الفلسطينية، برعاية أميركية، في تشرين الثاني 2005، ولاسيما أن القاهرة سبق أن حاولت تشغيل منفذ رفح، قبل تحقيق المصالحة، عبر توفير شروط عودة الأوروبيين، ووجود الحرس الرئاسي الفلسطيني في المعبر، قبل أن يفشل طرفا النزاع الفلسطيني هذا المسعى بالشروط المسبقة والشروط المضادة. |