|
التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير حول المقاومة القومية ومحاولته تبرئة الدولة الغاصبة ليست جديدة حتى في تزمينها مع زيارة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وعشية جولة جورج ميتشل إلى المنطقة بغية تحريك بعض الملفات وإلهاء الرأي العام عن قصور إدارة أوباما تجاه اللوبي الصهيوني.
فكوشنير يعرف جيداً أن رئيس وزراء لبنان سعد رفيق الحريري لم يعد بوارد تبرئة إسرائيل من جرائمها والقبول بذرائعها ويعرف أن مرحلة أقفلت تماماً وبدأت مرحلة إزالة آثار العدوان. ووزير الخارجية الفرنسي يعرف أن مشروع ضم لبنان إلى المشروع الصهيوني ومشروع المحافظين الجدد قد انهزم ولم يبق في لبنان إلا فلول تتلطى وتبحث عن مخرج.
رغم هذا أصر على إعلان ما يفكر به المحافظون الجدد ووضع بلاده ورئيس بلاده في مأزق، وبالتأكيد لم يحرج رئيس وزراء لبنان ولا جورج ميتشل. فرئيس وزراء لبنان يعرف أن مواقفه الأخيرة من إسرائيل وعدوانيتها تلقى تشجيعاً وترحيباً من محيط لبنان الطبيعي والعربي الذي يشكل قوة لبنان الحقيقية وقوة موقعه كرئيس لوزراء هذا البلد ويعرف أنه يمثل حالة فريدة في العالم حيث لأول مرة «يخسر مشروع ويربح أحد أركانه» ويعرف أنه لن يتحمل بعد اليوم تبعات ما يقوله غيره في الداخل والخارج.
ولم يحرج جورج ميتشل الذي خرج من تحت عباءة المحافظين الجدد وامتلك جرأة التصريح بذلك.
أحرج رئيسه في الداخل والخارج بالتأكيد، فالرئيس ساركوزي الذي جاء بكوشنير وزيراً للخارجية لم يأت به لأنه متمرد بل لأنه قبل العودة إلى بيت الطاعة الساركوزي، ولم يكن سهلاً على الرئيس ساركوزي تحمل تبعات هذا التعيين داخل حزبه وداخل فرنسا.
لكنها ليست المرة الأولى التي يخرج بها كوشنير عن تعليمات ساركوزي في الشرق الأوسط لكن يبدو واضحاً أن ما يربط كوشنير بالمحافظين الجدد أكبر مما يربطه بمصالح بلاده وحضورها وموقعها في العالم العربي. والكل يعلم أن الرئيس ساركوزي ومعه أغلبية الفرنسيين يؤمنون أن مصالحهم هي مع هذا العالم من محيطه إلى خليجه وهو عالم لا يقبل بتبريرات كوشنير للعدوانية الصهيونية، مع استثناء وحيد ربما وبقي وحيداً ولم يندم بعد.
أحرج فرنسا التاريخية التي كانت رائدة في رفضها للعدوان وأحرج أوروبا مرات عدة آخرها بالأمس حيث غرد وحيداً في تصريحاته حول ضرورة تسريع العقوبات على إيران في وقت تبحث فيه شؤون أبعد من مقولة العقوبات السخيفة وفي وقت كانت فرنسا ترفض فيه مبدأ العقوبات التي لا تؤدي إلى نتيجة كما كانوا يقولون.
وأحرج الرئيس أوباما وإدارته حيث يبحث الرئيس أوباما عن دعم دولي لمشروعه في الشرق الأوسط وهو مشروع قائم على إطفاء النيران التي أحرقت الولايات المتحدة.
وأحرج المحافظين الجدد، الأوروبيين منهم والعرب، بعد أن فضحت تصريحات كوشنير مشروعاتهم الجديدة ومخططاتهم دون أن تؤدي إلى أي نتيجة. إيجابية أو أي دفع لمشروعهم.
فإن كان كوشنير يقصد دعم أصدقائه في الدولة الغاصبة فهم يعرفون أنه الحلقة الأضعف في السلطة في فرنسا ولا ينتظرون دعمه وإن كان يقصد تعزيز موقفه لدى المحافظين الجدد فهم يعرفون جيداً مدى «عقائديته» وفعاليته من خلال تاريخه السياسي سواء في بيافرا أم في الصومال أم أخيراً في العراق. وإن كان يقصد أنه بذلك يرضي رئيسه ساركوزي فهو يعلم أن ساركوزي يحمل من البراغماتية ما جعله يقلب الطاولة على بوش ومشروعاته كلياً ولا يؤمن كثيراً بسياسة المبادئ، فهي بالنسبة له فساد للمبادئ وفساد للسياسة معاً وأنها كما يسميها تعبير بلا معنى.
لكن تصريحات كوشنير سواء عبرت عن حقيقة التفكير الفرنسي أم لم تعبر فإنها دليل على أن المشروع الصهيوني ومشروع المحافظين الجدد ما زال متغلغلاً في الإدارة الفرنسية وهو ما يشكل الخطر الأساسي على الحضور الفرنسي وعلى الهوية الفرنسية وليس الحجاب ولا النقاب.
|