|
لم تكد الحرب الباردة تضع أوزارها، لا بل لم يكن الاتحاد السوفييتي قد تفكك واختفى بعد، حين بدأت رموز فكرية أميركية تبشر بصراع جديد تحل فيه بكين محل موسكو كخصم للولايات المتحدة على الساحة الدولية. في ذلك الوقت كانت الصين بدأت تقطف بعض ثمار الإصلاحات الكبرى التي شرع بها دينغ سياو بينغ في عام 1979، لكنها بدت رغم ذلك بعيدة كل البعد من إمكانية مشاركة واشنطن التربع على قمة النظام العالمي.
بعد مرور عقدين، أخذت هذه النبوءة تصبح واقعية بشكل متزايد وبسرعة اكبر من المتوقع، فالصين تحل هذا العام محل اليابان كثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة وتحافظ على نمو اقتصادي يبلغ أكثر من عشرة بالمئة رغم ظروف الأزمة الاقتصادية العالمية.
لأسباب عديدة لم تبدِ الصين حماسة كبيرة لوصول الديمقراطيين إلى البيت الأبيض العام الماضي، رغم أنها لم تكن مرتاحة كثيراً لسياسات الجمهوريين، على الساحة الدولية خصوصا، لذلك حاول الرئيس الأميركي باراك أوباما في أكثر من مناسبة، آخرها في قمة الدول الكبرى في مجلس الأمن على هامش الدورة الخامسة والستين للأمم المتحدة، طمأنة الصين والاعتراف بدورها في قيادة العالم. وزيادة في خطب ودها، قام أوباما بزيارة لبكين شبهها البعض بالزيارة التاريخية الأولى التي قام بها الرئيس ريتشارد نيكسون في عام 1972 وشكلت بداية تعاون صيني أميركي مديد مهد لانفراج كبير في العلاقات الدولية.
لكن شهر العسل الصيني الأميركي لم يدم طويلا، إذ سرعان ما بدأ يتبين مدى اختلاف الأجندات بين الطرفين. خلال الزيارة اشتكى أوباما من الخلل في الميزان التجاري الذي يميل بقوة لمصلحة الصين، مطالبا هذه الأخيرة بتقليل اعتمادها على السوق الأميركية والتحول نحو نمط استهلاكي أكبر، كما طالب بتحرير سعر «اليوان» الذي تقدر قيمته الحقيقية بأعلى كثيراً من قيمته الراهنة، ما يجعل البضائع الصينية أرخص عالمياً وأقدر على المنافسة في ظل أزمة اقتصادية لا يميل معها الكثيرون إلى البذخ.
لكن الموضوع الاقتصادي لم يكن هم أوباما الوحيد في مباحثاته مع القادة الصينيين، إذ حاول أن ينتزع منهم موافقة على تشديد العقوبات على إيران دون نجاح يذكر. رغم ذلك، حرص الطرفان على عدم إلقاء الضوء على خلافاتهما في مسعى لإنجاح زيارة أوباما الأولى. أما الآن ومع اتجاه واشنطن بشكل متزايد إلى فرض حزمة جديدة من العقوبات على إيران، لم يكن هناك بد من خروج هذه الخلافات إلى العلن، فالصين التي تعتمد على إيران بنحو 14 بالمئة من احتياجاتها النفطية ولديها استثمارات كبيرة فيها تعارض بقوة فرض عقوبات عليها.
بعد أن عجز الأميركيون عن انتزاع تعاون صيني «طوعي» بدؤوا يتجهون إلى استخدام أوراق الضغط المختلفة التي يمتلكونها وكانت البداية مع تايوان، إذ أعلن البنتاغون إبرام صفقة أسلحة قيمتها ستة مليارات ونصف المليار دولار مع تايبيه. ورغم أن الصفقة، مع احتوائها على أسلحة متقدمة جدا، لا تخل بموازين القوى في المنطقة بسبب التفوق الصيني الكبير، إلا أن بكين اعتبرت الخطوة الأميركية تصرفاً عدائياً.
الورقة الثانية التي تتجه واشنطن إلى استخدامها هي الموافقة على عقد لقاء بين الرئيس أوباما وزعيم التيبيت الدلاي لاما، في موضوع داخلي شديد الحساسية بالنسبة للصين. لكن ما لفت الانتباه أكثر في سلسلة الخطوات التصعيدية الأميركية ضد بكين هو ما أدلت به وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون خلال وجودها في دافوس على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي وحذرت فيه الصين من أنها بمعارضتها فرض عقوبات على إيران تهدد بحرمان نفسها من إمدادات النفط القادمة من الخليج. ورغم تعدد التفسيرات التي ألحقت بهذا التصريح، إلا أنها المرة الأولى التي تتحدث بها واشنطن صراحة عن إمكانية إيقاف واردات الصين النفطية إذا لم توافق على مسايرتها في موضوع العقوبات على إيران.
من المؤكد أن هذا التصريح سيترك أصداء كبيرة في بكين وحول العالم، وستكون له تداعيات تتجاوز موضوع الملف الإيراني إلى العلاقات بين اكبر قطبين اقتصاديين في العالم |