|
من يراقب السلوك الإسرائيلي منذ تولي الرئيس الأميركي باراك أوباما مقاليد الحكم في البيت الأبيض، يلاحظ أن حكومة اليمين المتطرف التي تديرها تعيش حالة يمكن وصفها «بالجزع السياسي»، فعند أقل إشارة لإمكانية حصول انفراجة سواء فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني أم على صعيد علاقات واشنطن الإقليمية، تعمد حكومة نتنياهو إلى افتعال مشكلة، أو رفع مستوى التوتر في عموم المنطقة.
لم يعد سراً أن إسرائيل تعيش حالة إرباك وارتباك من السياسات التي تتبعها الإدارة الديمقراطية، سواء لجهة الضغط عليها لتوفير المتطلبات الموضوعية لاستئناف عملية السلام، أو السعي لاستخدام الدبلوماسية لحل قضايا تريد حكومة نتنياهو من واشنطن التعامل معها بالقوة العسكرية. فإسرائيل تعتبر نفسها أكبر المتضررين من حل الملف النووي الإيراني سلمياً وهي تخشى من انعكاس ذلك على موقعها ودورها، لذلك نجدها تصاب بحالة من الذعر تعقبها محاولات للتخريب ما إن تلوح بوادر تسوية على هذا الصعيد.
من يتابع الإعلام الأميركي – الأقرب إلى اليمين خاصة – يجد أن إسرائيل وحلفاءها في واشنطن يعملون ليل نهار في «بزنس» التحذير من «خطورة» نفوذ إيران الإقليمي المتنامي مقترناً بتقديرات «غرائبية» عن قرب حصولها على «السلاح» النووي. خلال الأسبوع الماضي نشر دانييل بايبس مقالاً في «ناشيونال ريفيو أون لاين» تحت عنوان مستعار من أغنية استخدمها المرشح الجمهوري السابق لانتخابات الرئاسة السيناتور جون ماكين تقول مقدمتها «اقصف.. اقصف... إيران». يقول بايبس في مستهل المقال: إنه ليس من عادته تقديم نصيحة إلى رئيس لا يحبه ولم يصوت له، لكن مع ذلك، يتابع، إنه إذا أراد أوباما إنقاذ شعبيته المتهالكة في الولايات المتحدة وإذا شاء أن يربح حزبه الانتخابات النصفية القادمة فعليه أن يقوم بضرب إيران.
حتى الآن تعتقد إسرائيل أن كل جهودها لتوريط إدارة أوباما في حرب على إيران – كما حصل في العراق - باءت بالفشل، فالرجل مازال يقاوم الضغوط الممارسة عليه بهذا الاتجاه ومازال يؤمن بإمكانية التوصل إلى حل سلمي يحقق مصالح الجميع، وهو أمر يثير حالة من الهستريا في إسرائيل.
ليس أسلوب أوباما في التعامل مع الملف النووي الإيراني هو فقط ما يثير القلق في إسرائيل، إنما يربكها أيضاً سعي إدارته إلى الاقتراب من دول المنطقة سواء كان هؤلاء حلفاء أم خصوماً، فإسرائيل تريد أن تبقى حليف واشنطن الأثير وبوابتها للتعامل مع المنطقة وقضاياها، لذلك تجدها تجزع من أي سلوك يدل على تزايد اعتماد واشنطن أو اقترابها من أطراف أخرى غيرها. في هذا السياق يمكن تفسير السلوك الفج في التعامل مع السفير التركي، الذي لم يأت فقط كرد فعل على انتقادات تركيا المتزايدة لجرائم الحرب الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، إنما وبشكل اكبر على تنامي دور أنقرة ونفوذها الإقليمي.
من الواضح أن سلوك إسرائيل المرتبك والمخرب لأي جهد يؤدي إلى تسوية قضايا المنطقة سوف يستمر، حيث تعتقد أن أي حل على هذا الصعيد سيأتي على حسابها ويقتطع من دورها، لذلك يجب أن نتوقع تكرار حالة اللاتوازن التي أصبحت سمة ملازمة للسلوك الإسرائيلي. ردود الفعل الانفعالية التي عبرت عن نفسها في الآونة الأخيرة على شكل تهديدات لسورية ولبنان وغزة وإيران سوف تستمر وتتزايد كلما مالت الكفة لمصلحة الدبلوماسية في التعامل مع مشكلات المنطقة، لأن إسرائيل تجد في نفسها المتضرر الأكبر من ذلك. |