|
توصلت الباحثتان الدكتورة صفية عيد ورشا ديب من جامعة دمشق، وبالتعاون مع جمعية أصدقاء مرضى السرطان في السويداء، في بحثهما المقدم إلى مؤتمر البيئي الأول الذي عقد في المحافظة، إلى أن أكثر أنواع السرطانات انتشاراً في المحافظة هي سرطان الثدي عند النساء وسرطان الهضم بشكل عام.
وأثبت البحث المقدم أن نظم المعلومات الجغرافية من أهم التقنيات التي يمكن استخدامها في وضع الخرائط الصحية من جهة والتحليل المكاني من جهة أخرى لربط المرض بالمكاني وخصائصه ويمكن تعميمه على مستوى القطر.
لماذا الجغرافية؟
لقد وقف الطب عاجزاً أمام بعض الأمراض كمرض السرطان الذي سمي مرض العصر لانتشاره الواسع ولصعوبة الاستشفاء منه، وعادة ما يعالج الطبيب المرض وفق قاعدة العامل المسبب والمضيف دون تتبع علاقة الإصابة بالعوامل البيئية وغالباً لا تدرَك هذه العلاقة إلا بعد انتشار المرض واستشرائه في المجتمع على خلاف علماء الأوبئة الذين يعملون على استخدام المثلث الإبيدمولوجي الذي يمثل (بالمضيف، والعامل، والبيئة) لتعريف العلاقات المكانية القائمة بينها وتحليل انتشار وتفشي المرض.
تعد محافظة السويداء من المحافظات الأعلى بنسبة الإصابة بمرض السرطان في القطر عدا ذلك فإنها تتميز بعدد من الخصائص الجغرافية تتعلق بطبيعة توزع المرض في المحافظة يمكن إجمالها بما يلي:
تشكل مساحة محافظة السويداء 3% من مساحة القطر العربي السوري بمساحة 5055 كم2 وتتميز بعدد من الخصائص تميزها عن غيرها من المحافظات السورية هذه الخصائص هي:
- تغطي جميع أراضي المحافظة طبقات من الصخور النارية (الحامضية، والمعتدلة، والقلوية) تعود إلى النيوجين والحقب الرابع وتتصف بتشكيلات صخرية متنوعة يشكل البازلت عنصراً أساسياً فيها.
1- ترتفع معظم أراضي المحافظة عن سطح البحر بمقدار700م وترتفع أعلى قمة في منطقة الجبل إلى 1809م (قمة القنية) فوق سطح البحر، ويمكن القول إن نحو 70% من أراضي المحافظة تقع عند ارتفاع 1000م وما يزيد.
2- تتلقى المحافظة إشعاعاً شمسياً شدته 19.5-18.5 ميغا جول لكل متر مربع على حين ينخفض معدل الإشعاع في منطقة الجبل إلى 18.5-17.5 ميغا جول لكل متر مربع.
3- دائمة الجريان ومعظم الجريان السطحي عبارة عن مجار مائية مؤقتة يتم جمع مياهها بوساطة السدود المنتشرة على أجزاء المحافظة والبالغ عددها 17 سداً و180 خزاناً.
أما الخصائص الديموغرافية فيمكن أن نوجزها بما يلي:
انخفاض معدل النمو السكاني بالمقارنة مع المحافظات الأخرى ليصل إلى 4.1% عام 2004، وانخفاض صافي الهجرة الداخلية في المحافظة بسبب تزايد الاستثمار وتزايد عملية التوسع في النشاط الزراعي وخاصة في مجال التشجير المثمر ما جعل المحافظة في المرتبة الثامنة من حيث عامل الطرد السكاني فقد بلغ صافي الهجرة الداخلية 1.4% عام 2000، ويرتبط سكان المحافظة بقراهم بشدة حيث لم يتجاوز سكان الحضر عام 1994 في المحافظة 28.8% من مجموع السكان ارتفع إلى 30.7% عام 2004 بمعدل نمو بلغ 6%.
واختلاف نسبة الجنس (المقاسة بعدد الذكور مقابل كل 100 أنثى) فبلغت 98.9 على مستوى مجموع السكان على حين يعد ارتفاع هذه النسبة في فئة السن65 سنة فأكثر قرينةً على عودة الذكور من المحافظات الأخرى بعد بلوغ سن التقاعد.
وارتفاع نسبة العزوبية بين الذكور إلى 44.2% وبين الإناث إلى 34.5% عام 2004 ويعكس ذلك ارتفاع السن عند الزواج الأول لدى الإناث يقابل ذلك انخفاض في نسبة الطلاق بين الذكور والإناث بمعدل 0.4 و1.1% على الترتيب لعام 2004 أيضاً. مع العلم أن مؤشرات نقص الحاجات الأساسية في الحياة في المحافظة مرتفعة نسبياً بالمقارنة مع غيرها من المحافظات السورية، على الرغم من انخفاضها في الفترة بين 1995-2004.
وتنامي الاحتياجات الصحية وازدياد الطلب عليها بسبب ارتفاع العمر المتوقع للسكان، وانخفاض معدلات الوفيات، إضافة إلى اتساع التلوث البيئي واستنزاف الموارد الطبيعية اللذين لعبا دوراً في التأثير السلبي في صحة الإنسان.
الإصابات في المرض مقارنة مع الإصابات داخل القطر
1- تشكل معدلات الإصابة في السويداء أعلى نسبة في المحافظات السورية بمعدل وسطي 120 إصابة لكل مئة ألف إصابة على مدى سنوات الدراسة على الرغم من أن أعداد المصابين هو الأقل على مستوى المحافظات مجتمعة بمعدل 382 إصابة سنوياً نتيجة انخفاض عدد السكان في هذه المحافظة.
2- ارتفاع نسبة المصابين بسرطان الثدي من 38% عام 2002 إلى 90% عام 2005 و85% عام 2006.
3- تشكل نسبة الإصابة بسرطانات الثدي في محافظة السويداء أعلى نسبة إصابة بسرطان الثدي في القطر، بمقدار خمس وعشرين إصابة لكل مئة ألف نسمة.
4- ارتفاع نسبة الإصابة بسرطانات الجهاز الهضمي وارتفاع النسبة عند الذكور عنها عند الإناث.
5- تشكل نسبة الإصابة بابيضاض الدم واللمفومات نسبة مرتفعة في المحافظة بحدود 12 % وسطياً لكل منهما وهي من أعلى نسب الإصابة على مستوى القطر.
6- ارتفاع نسبة الإصابة بسرطانات الجهاز التناسلي عند الإناث أكثر منها عند الذكور ماعدا السجل الأخير لعام 2006 فتظهر زيادة واضحة للمصابين بسرطانات الجهاز التناسلي من الذكور.
7- ارتفاع نسبة الإصابة بسرطانات الجهاز التنفسي عند الذكور عنها عند الإناث بمعدل وسطي 6:1 للإناث بالنسبة للذكور.
- تزداد نسبة الإصابة بسرطانات الغدة الدرقية عند الإناث عنها عند الذكور وترتفع نسبة الإصابة بشكل ملحوظ في عامي 2005-2006
خريطة التركيب الجيولوجي
تلعب فلزات المعادن وطبيعة الصخور دوراً إشعاعياً لا يمكن تجاهله لذا تم البحث عن الخصائص الإشعاعية في صخور المنطقة المتكشفة على السطح، ومنها:
1- خريطة التضاريس: يعرف عامل الارتفاع على أنه عامل خطورة بالنسبة لأمراض الدوران كما عرفته منظمة الصحة العالمية WHO والمركز العالمي لدرء الأوبئة والسيطرة عليها، وحددت صلته بأمراض السرطان، كما قد استُخدِمَ لغرض آخر هو دراسة مستويات الانحدار.
2- خريطة شدة الإشعاع الشمسي: يعد التعرض للإشعاع الشمسي المستمر وخاصة الأشعة فوق البنفسجية، وضمن درجات معينة عامل خطورة للإصابة بسرطان الجلد لذا تساعد خرائط الإشعاع الشمسي في رصد وسطي التعرض للإشعاع في المنطقة.
3- خريطة الترب حسب التصنيف الأميركي: تتميزُ خرائط الترب وفق التصنيف الأميركي بتصنيف الترب وفق رتب وتحت رتب تتمحور هذه الأصناف حول آفاق ولون وقوام التربة وبذلك يمكن معرفة العناصر المميزة لكل صنف وخصائصه الزراعية.
4- خريطة المياه السطحية والسدود: لعبت المياه السطحية في المحافظة دوراً مهماً في الشرب وغيرها من الاستخدامات البشرية وذلك قبل الانتقال لاستخدام المياه الجوفية كمصدَر للشرب وقد عانت مياه بحيرات السدود من التلوث نتيجة الصرف الصحي والصرف الزراعي.
5- خريطة الآبار الجوفية والخزانات: تم الانتقال من استخدام المياه السطحية للشرب إلى مياه الآبار الارتوازية إلا أن هذه المياه اتصفت بالعكر نتيجة وجودها على أعماق سحيقة وتطلب ذلك تعقيمها بالكلور الذي أثبت أثره التراكمي المسرطن من خلال الدراسات الحديثة.
العوامل المسببة لتركز الإصابات في محافظة السويداء
تعيش المحافظة ظروفاً جغرافية وبيئية تقترب إلى المثالية فيما عدا الحاجة المتجددة دوماً للماء الذي أضحى السلعة الأغلى في المنطقة وقد ترافق ازدياد الطلب على المياه مع ازدياد في مصادر تلوثه، وقد حددته الباحثتان بما يلي:
1- تلوث المياه بمصادر لا تزال مجهولة الأسباب.
2- تعرضت المياه المجمعة في السدود لتلوث شديد نتيجة الغسل والارتشاح الحاصل على المبيدات والأسمدة المستخدمة بكثرة في منطقة (الجبل) الأمر الذي نقل مواد النترات عبر السلاسل الغذائية والفوسفور عبر الإشعاع الطبيعي إلى الناس وقد ظهرت الآثار التراكمية لهذه المواد الكيماوية في سجلات المرض المستحدثة.
3- تغطي شبكة الصرف الصحي في المحافظة حتى تاريخ إعداد هذه الرسالة 41.2% فقط من المساكن ما يزيد في احتمالات تلوث المياه الجوفية بالنترات ورفع نسبتها فوق الحد الأعلى لدرجاتها الطبيعية.
4- يستخدم كل من الكلور والفلور لتنقية المياه من الميكروبات الضارة ولكنه يتفاعل مع الهيدروكربونات إن وجدت مكوناً مواد هيدروكربونية كلورية مسرطنة وقد ازداد استخدام الكلور لتنقية المياه وخاصة لتعقيم المياه الجوفية المسحوبة من أعماق كبيرة ما يزيد من عوامل الخطورة الواردة عن طريق مياه الشرب.
ولا بد من الذكر أن العامل الوراثي سبب إضافي لتركز الإصابة يتضح ذلك في سجلات جمعية أصدقاء مرضى السرطان التي ترصد العامل الوراثي من خلال توصيف الفحوص التشخيصية الدقيقة للإصابات في العائلة الواحدة. وقد لوحظت العلاقة الوثيقة بين إصابة الأم وابنتها سواء كان ذلك من نفس التشخيص أو تشخيص مخالف، وقد رصد القائمون على الجمعية أعداداً بعشرات المصابين أو وفيات بالمرض تنتمي للعائلة نفسها.
كما تعد الأنماط الغذائية المرتكزة على المنتجات الحيوانية نمطاً أساسياً من العادات الغذائية السائدة والمترافقة مع مجموعة من العادات الاجتماعية (الولائم) يضاف إلى ذلك تلوث المنتجات الغذائية المحلية بالمبيدات الحشرية التي جرت العادة على استعمالها بكثرة. وهذا ما يفسر ارتفاع الإصابات بسرطانات الجهاز الهضمي التي تتراوح بين 20-25 لكل مئة ألف نسمة.
بعد تحليل البيانات المكانية المرتبطة بتوزيع المرض وانتشاره في المحافظة تم التوصل إلى النتائج التالية:
- الزيادة المستمرة في أعداد المصابين بمرض السرطان على مدى سنوات الدراسة الأمر الذي يشكل تهديداً حقيقياً وسبباً رئيساً للوفاة فقد ارتفعت أعداد المصابين.
- تزداد الإصابات ببعض الأنواع السرطانية -وخاصة سرطان الثدي منها- ابتداءً من فئات عمرية أصغر من مثيلاتها على مستوى العالم الأمر الذي يعزز نظرية تداخل العوامل البيئية والتلوث بمختلف أشكاله وأثرها في تشكل الخلايا المريضة.
- تشكل سرطانات الجهاز الهضمي وسرطان الثدي الأنواع الأكثر انتشاراً على مستوى المحافظة.
- تم الكشف عن المرض في نسبة كبيرة من الحالات المرصودة في مراحل متقدمة من انتشاره الأمر الذي يعكس الإهمال الصحي وقلة الوعي تجاه المرض وأعراضه إضافة إلى عامل التورية وإخفاء المرض عند الكثيرين خجلاً وخوفاً (سرطانات الجهاز التناسلي) الأمر الذي يخفف من احتمالات الشفاء.
- يتجاهل كثير من المزارعين الأضرار المرافقة للاستخدام المفرط للأسمدة الكيماوية والمبيدات ما يجعل منها عاملاً إشعاعياً وكيماوياً يزيد من احتمالات الإصابة.
- لا يشكل عامل الإشعاع الشمسي الطبيعي والعامل الإشعاعي المرتبط بنوعية الصخور عاملاً محرضاً لتشكل الإصابة في محافظة السويداء كما هي الحال بالنسبة للعوامل الطبوغرافية ونوعية الترب.
- يعد تلوث المياه واحداً من أهم أسباب الإصابة لأنه المادة الدائمة الاستهلاك والأكثر أهمية في حياة الإنسان ويظهر هذا الخطر في حال تعدد مصادر المياه كما في السويداء (آبار، سدود، محطات ضخ، خزانات).
- يساهم بناء بنك معلومات رقمي خاص بالمرض وتوقعه ضمن خريطة ورمية رقمية أداة فاعلة في رصد المرض وتنبؤ أشكال انتشاره وتطوره. تشكل خرائط تساوي المرض أداة جيدة في التحليل المكاني لتوزع المرض وانتشاره ولكن إنتاجها الرقمي يتطلب تدخل صانع الخريطة لضبط بعض الخطوط بما يتوافق مع العلاقات المكانية للصفات المدروسة.
أما أهم ما اقترحته الباحثتان طوال هذه الفترة من العمل، فقد تركز على:
1- العمل على تغطية موضوع البحث من قبل فريق من الباحثين من ذوي الاختصاصات المختلفة والمرتبطة بعوامل الخطورة من الجيوفيزيائيين، والكيميائيين، والزراعيين، والأطباء والجغرافيين لتحديد عوامل الخطورة وتعليل أسباب الإصابة البيئية والطبية.
2- تمكين أسس جمع البيانات وتوحيد الصفات المعيارية فيها حتى تكون هذه البيانات قياسية قابلة للمعالجة من خلال البرمجيات المستحدثة من قبل منظمة الصحة العالمية وغيرها من الهيئات الحكومية والأكاديمية.
3- الاعتماد على منهج النظم في الدراسات الوبائية لكفاءته في تفسير سلوك عناصر المنظومة وقدرتِه على تبيان آلية تفاعلاتها في الوسط إضافة إلى إمكانية فَصل عناصرها ودراستها بشكل مفرد.
4- توحيد أنظمة الترميز المعمول بها من قبل الجهات الحكومية لتتسنى إمكانية ربط البيانات والأعمال الحقلية مع بعضها البعض ضمن شبكة معلومات وطنية.
5- ربط المنهج الإحصائي بتحليل الأنماط المكانية في الدراسات الوبائية وذلك أن المنهج الإحصائي يهمل كثيراً من العلاقات والروابط المكانية التي يمكن أن تفسر بالأنماط النقطية بدلاً من دمجها على أسس إدارية أو إقليمية.
6- القيام بمسوح جيوفيزيائية في مواقع التجمعات السرطانية لرصد عامل الإشعاع الطبيعي ودرئه ما أمكن.
7- التوجه لدراسة مناطق أخرى تماثل محافظة السويداء بنسبة الإصابة بمرض السرطان كالمنطقة الساحلية ومحافظة الحسكة لما تتميزان به من خصائص نوعية وارتباطات بيئية لتشكل المرض.
8- اعتماد المنهج التاريخي في دراساتٍ مقاربة لرصد عوامل الخطورة المتراكمة مع الزمن وتحديد تفاعلاتها مع البيئة ومع الناس حيث يصعب تحديد الآثار التراكمية لعوامل الخطورة في فترة زمنية قصيرة.
9- إشراك الجغرافيين في التحليل البيئي (البيئة الطبيعية والاجتماعية) للأمراض سواء كانت جائحات وبائية أو أمراضاً متوطنة.
10- التوسع في مراكز المعالجة لتتوافق مع الأقاليم المرضية والتجمعات السرطانية.
11- اعتماد التوعية الصحية وخاصة في المناطق الريفية تجاه المرض لأهمية الكشف المبكر عنه في تحديد احتمالات الشفاء إضافة إلى الجدوى الاقتصادية للمعالجة.
12- اتخاذ القرارات الملائمة لحماية الناس من أشكال التعرض لمجموعة من عوامل الخطورة البيئية وخاصة مواقع النفايات (بأشكالها)، وتلوث التربة، تلوث مياه الشرب ومياه الاستعمالات، والملوثات المنبعثة في الهواء والمياه السطحية.
|