الرئيسية من نحن خريطة الموقع اتصل بنا rss thermometer دمشق
أخر تحديث تم في2010/09/08 4:07
facebook   twetter  
 
Massar



تحت الضوء
  روابط ذات صلة

القتل شرفا.. سجلات مغلقة لملف مفتوح

thumbnail
 
المصدر    من الأرشيف
 

يلعب الطابع العشائري والقبلي السائد في محافظة الحسكة، دوره في نشر أصغر قضية اجتماعية مهما كانت بسيطة في غضون ساعات، حيث لاتحتاج أي مشكلة سوى نصف يوم على الأكثر لتكون حديث المجالس في أغلب أرجاء المحافظة، مع إضافة "التوابل والمنكهات".
فهروب الفتاة دون علم أهلها "خطيفة" يعتبر من المحرمات والكبائر؛ لأنها بهذه الحالة قد نكست رأس الأهل ومرغته بالتراب، وعلى أثرها يبدأ البحث والتحري عن الفتاة في مختلف المناطق، حيث لا يمكن للرجل أن يرفع رأسه أو يجلس في مجالس الرجال أو يلبس عقاله إلا بعد قتل الفتاة و"غسل العار".
وتنفذ أغلب الجرائم المسماة جرائم الشرف بالسكين؛ ليكون وقع ذلك أكبر في "شفاء الغليل"، وبحضرة جمع من الأهل والجيران، ممن يشهدون على "غسل العار".. وكأن لسان حالهم يردد مع القائل: لايسلم الشرف الرفيع من الأذى// حتى يراق على جوانبه الدم.
وكثيراً ما يتم تكشف ملابسات الجريمة عن براءة البنت من التهمة، بل إن تقرير الطبيب الشرعي يثبت عذرية الفتاة، ولكن ذلك ينكشف في وقت تكون فيه السكين قد سبقت العذل!
لا مكان لها
وغير بعيد عن الحسكة، يبدو الوضع مغايرا في دير الزور حيث تنعدم (أو تكاد) جرائم الشرف، رغم أن الانطباع الأولي عن تقاليد المحافظة وقسوتها في التعامل مع الجانب الأخلاقي يوحي بعكس هذه الحقيقة.
وتوثق سجلات لمحامين، وشهادات مخاتير قرى الريف، وكبار السن في المدينة والريف، حقيقة مفادها أنه لا مكان لجرائم الشرف في الدير.
بداية ركزنا على نسبة جرائم الشرف في الريف، معتقدين أننا سنكون أمام أرقام مرتفعة، غير أننا فوجئنا بعكس هذا الاعتقاد، حيث تبين أن جميع قرى المحافظة لم تشهد أي جريمة شرف على الأقل ضمن الأعوام الثلاثة الفائتة.
فيما كان هذا النوع من الجرائم معدوداً على الأصابع خلال عشرات السنين المنصرمة.
ولكن هذه الحقيقة ليست كل المشهد،، فقد شهدت المحافظة كثيراً "مشروع جريمة"، ولولا حكمة التعامل مع الموضوع لكانت دير الزور أمام نسبة عالية من جرائم الشرف.
ويؤكد بعض كبار السن في القرى أن قراهم تشهد بين الحين والآخر اكتشاف حمل لبنت من بنات القرية، غير أنهم يذكّرون بحكمة كل من عائلة البنت والفتى مع مثل هذه الحوادث، إذ يؤكد كبار السن أن أهل البنت يسعون بكل جهدهم لـ"لملمة" الفضيحة، فتراهم يقصدون أهل الشاب، ويضعون طرفي الفضيحة أمام ضرورة الزواج، مع التأكيد هنا، أن صفة العار لا تنسب لأهل الفتاة فقط، بل وحتى لأهل الشاب.
وأمام هذا الوضع تتفق العائلتان على تغطية الفضيحة، عبر تزويج طرفي "العار" على الفور، وهذا ما يفسر اختفاء جرائم الشرف عن مسرح المحافظة، بمدنها وريفها.
وفي حماة، استيقظ سكان المحافظة غير مرة على جرائم مروعة ارتكبت بدافع الشرف، أزُهقت فيها أرواح بريئة، لشبان وفتيات، اتضح فيما بعد أنهم ضحايا رعونة وحمق وتهور، فالكشف الطبي كان يؤكد عذرية البنات القتيلات، وطهر الشبان المقتولين، والتحقيقات كانت تكشف أن ثمَّة زواجاً شرعياً جمع القتيلين، لكن عدم رضا الأهل جعلهما يفران في آفاق الأرض ويدخلان على عائلة أخرى يطلبان حمايتها.
ويرى المحامي عبد المنعم حلاق، أن هذه الجرائم مستهجنة مجتمعيَّاً، وهي نوعٌ من "القربان البشري"، الذي تقدمه الأسرة للمجتمع المحيط، تلبيةً لرغبته بضبط سلوك النساء وفق ما قرره هذا المحيط ذاته، ويحمل رسالة واضحة من القاتل وأسرته للمجتمع مفادها: "لقد أزلنا أسباب رفضك لنا فاقبلنا مجدداً"، الأمر الذي يفسر المبالغة الشديدة في طقوس القتل، التي تكون عادةً علنية وفي مكان عام كنوع من التطهير لما قامت به الضحية.
ويرى المحامي حلاق، أن استغلال بعض نصوص القانون وخصوصاً ما يندرج تحت عنوان «الدافع الشريف»، وعدم تطبيق القانون بشكل دقيق، وعدم اتخاذ المجتمع موقفاً رافضاً لهذا النوع من الجرائم، من الأسباب المساهمة في ارتفاع نسبتها خلال الأعوام الأخيرة، حيث بلغ عددها 29 جريمة في عام 2008 وحده.
بين الواقع والسجلات
وفي حمص ما زالت ذاكرة أفراد المجتمع المحلي تحتفظ بالكثير من حوادث جرائم الشرف الواقعة في أنحاء المحافظة، خاصة تلك الفتاة التي وجدت في حقيبة سفر ورميت في العراء، ولدى الكشف عن ملابسات الجريمة توصلت الجهات المختصة إلى أن الضحية لم ترتكب عملاً غير أخلاقي.
أما الجريمة التي لفتت الأنظار فهي قتل إحدى النساء بداعي الشرف، بينما تبين أثناء التحقيقات أن المقصود حرمانها من الإرث!
وتركت جريمة العام الماضي أثراً كبيراً في نفوس أفراد المجتمع المحلي في منطقة جوسية التابعة لمدينة القصير غرب حمص، بسبب لجوء ابن الأخ "د.ع" البالغ من العمر 19 عاماً إلى قتل عمته "ع.ع" في العقد الثالث من العمر وإطلاق الرصاص عليها من بارودة روسية، لدى معرفته بأنها على علاقة أحد الشباب.
والمحير في الأمر، أن السجلات الرسمية لم تدون سوى قرابة 8 جرائم شرف، رغم كثرة القصص التي يتناقلها الناس في هذا المجال.
وليست السويداء حالة استثنائية لدى الحديث عن هذا الملف، حيث لا وجود لأرقام دقيقة توثق الأمر، لاسيما أن الكثير من الجرائم التي ارتكبت ويعرفها الجميع هنا، طمست معالمها و"لفلفت"، لأسباب لاتخفى على أحد.
وكما في مناطق أخرى، فإن المظاهر التي ترافق القتل بالغة الإيلام، خاصة عندما تتحول الجريمة إلى عرس حقيقي بطله القاتل الذي تسانده العائلة بكل تشعباتها.
فالعادات والتقاليد المتوارثة في هذا المجال، تحظر على الأهل الخروج من المنزل أو حضور أي مناسبة أو حتى شرب القهوة المرة في أي مكان، إلا عندما يتم إيجاد الفتاة إن كانت هاربة، أو عندما يقوم كبير البيت بذبح ابنته أو إعدامها، فالمهم في الموضوع غسل الشرف الذي تمرغ على يد فتاة قد تكون قاصراً.
ولكن خلال السنة الماضية وحتى الآن لم تسمع السويداء عن جريمة ارتكبت بهذا الخصوص، ويبدو لتعديل القانون المختص جانب بهذا الأمر، وخاصة بعد التشدد في حصر الجرائم.
يقول المحامي عادل الهادي لـ«الوطن أونلاين»: كانت المحاكم المختصة تتوسع كثيراً بمفهوم القتل دفاعاً عن الشرف، بحيث يشمل حالات واسعة تخرج عن إرادة المشرع بهذا النص، وهو في الأصل قانون فرنسي نعمل به منذ أكثر من 50 عاماً حتى أسيء استخدامه، "مثل قتل الزوجة من أجل الورثة مثلاً أو الزواج من أخرى تحت مظلة الدفاع عن الشرف"، وبعد صدور القانون الأخير تم تحديد الحالات وتقييد استعمال هذا الإعفاء بحيث يشمل حالات أقل، وبرأيي أن القانون لغاية الآن ما زال قاصراً ويفترض العمل عليه بحيث يتم توسيع بعض بنوده فيما يخص المرأة بالذات ومساواتها مع الرجل في الدفاع عن شرفها وكرامة بيتها في حال التلبس للرجل.
قربان
وفي القنيطرة، وخلافا للانطباع الأول لم يلعب الطابع القبلي البدوي دورا محرضا على جرائم الشرف، حيث لم تسجل خلال عام 2009 سوى جريمة قتل واحدة ضمن هذا الإطار.
لكن قصة الجريمة اليتيمة كانت مأساوية جداً، حيث أقدم أخ على قتل أخته لأنها "لطخت سمعة الأسرة"، في نفس اليوم الذي قررت فيها الفتاة القتيلة العودة لحضن أهلها.
وعلى العموم، فإن أسباب جرائم الشرف تتعلق دائما  بـ"خيار المرأة بالزواج" سواء برجل من دين آخر، أو طائفة أخرى، أو عشيرة أخرى، أو من رجل لا يرضى به الأهل زوجاً لها.
وتتفاوت حساسية الأسباب حسب مناطق مختلفة من المحافظة، حيث تعد جرائم الشرف، نوعاً من "القربان" البشري الذي تقدمه الأسرة للمجتمع المحيط تلبية لرغباته بضبط سلوك النساء وفق ما قرره هذا المحيط، ويحمل رسالة واضحة من القاتل وأسرته، وهذا ما يفسر المبالغة الشديدة في "طقوس" القتل، حيث عادة يكون قتلاً علنياً في مكان عام واحتفالياً.
وفي المقابل هناك من يرى في جرائم الشرف رادعاً للمرأة عن ارتكاب أي خطيئة، حيث سرت تعليقات كثيرة بعد واقعة القتل التي حدثت العام الماضي، روجها عدد من المؤيدين ومعظمهم من الشباب المتميزين بالحماسة و"فورة الدم"، ولعل "أبو رائد" نموذج يجسد هذا التيار، بقوله عن القتيلة أنها تستحق الموت لأنها لوثت سمعة العائلة ودنستها.
لكن حمدة تخالفه الرأي مؤكدة أنه يجب علينا أن نفعل شيئاً، لكي نوقظ ضمير المجتمع تجاه جرائم الشرف ولكي نضع نهاية للجرائم غير الإنسانية.
أما في درعا شكلت العوامل الاقتصادية أولاً والتعليم ثانياً ووجود الاغتراب بين أبناء المحافظة ثالثا، إضافة إلى مجموعة القوانين الصادرة مؤخراً، عوامل أساسية في تدني نسب جرائم الشرف، بعد أن حضرت خلال العقود السابقة بصورة واضحة.
ورغم غياب أي مؤشرات من القصر العدلي بحجة أن الأمر يتطلب موافقة مسبقة من وزارة العدل، إلا أن العديد من أبناء مهنة المحاماة اعتبروا أن جرائم الشرف تبقى ضمن الحدود الدنيا في درعا مقارنة مع غيرها من المحافظات.
ورد البعض هذا التراجع إلى حضور المرأة المتعلمة في جميع القضايا ومشاركتها في تفاصيل الحياة الاقتصادية اليومية للعائلة؛ نظرا لتغيرات اقتصادية شملت مختلف النواحي من ضمنها خروج الفتاة للعمل وهو ما شكل أول الهوامش لحركة بدت مقبولة ومبررة، إضافة إلى أن العلاقة الاقتصادية الجديدة فرضت تحولاً في تراتبية الأسرة حسب المداخيل، وقدرة "الصرف" على أفراد العائلة.
ولا يخفي نقيب المحامين بدرعا فهد العدوي انحيازه إلى مجموعة القوانين الصادرة مؤخراً، والتي أسست لمفاهيم اجتماعية أكثر تطوراً لمفهوم العلاقة الإنسانية، معتبرا هذه القوانين من أبرز العوامل المساعدة على تراجع جرائم الشرف.
ويرى عبد اللـه العلي (طالب جامعي) أن خيارات التعليم المتسارعة والتي أتاحت للعنصر النسائي دخوله هو العامل الأبرز، بمعنى أن الفتاة لم تعد تحتاج لوصاية ممن هو أدنى منها معرفيا وتعليميا، بل برزت ككيان مستقل.
لكن ما سبق لا ينفي بالجملة وقوع حوادث متفرقة هنا أو هناك نظراً لوجود تباينات واضحة في امتداد مساحة المحافظة وتضاعف عدد سكانها، وتغيرات قد تطول بلدة ما دون سواها، لاسيما عامل الهجرة والاغتراب.
فبينما تعيش بعض البلدات أو المناطق انفتاحاً يصل حدود الاستقلالية في دور الفتاة وتركها على "الغارب"، تبدو الصورة مغايرة بعض الشيء أو كله في قرى وبلدات أخرى ارتحل معظم أهلها إلى دول تحتفظ لنفسها برؤية خاصة للمرأة ودورها.
 

مقالات اخرى
28/03/2010
الكاتب    الوطن
حملة1