أصوات محقّة بلا عناوين

كعادتي المهنية منذ عقود، حضرتُ ندوة سورية في باريس، تهيأت مسبقاً لكتابة تقرير صحفي، بحدود التقاليد المعتادة.
عنوان الندوة كان واعداً: «يداً بيد لنبني سورية من جديد»، وتحتَه عنوان فرعي أكثر طموحاً: «لنفتح حواراً صريحاً، هادئاً ومسؤولاً… حوار يقرّب المسافات ويجمع السوريين على ما يوحّدهم».
لحظة الإثراء سبقت العناوين. كدتُ أكتب الأسطر الأولى لتقرير موسّع قبل أن أجد نفسي فجأة أمام لحظة عجز مهني، دفعتني للانتقال من التقرير الخبري إلى زاوية رأي، محاولة قراءة في عموم الحالة السورية، واستعداد غير معلن للإجابة عن سؤال يتردّد كثيراً: لماذا تغيب أصواتنا؟
بعد الساعة الأولى، بدأت أبحث عن فكرة جامعة، عن خيط يمكن الإمساك به، عن جملة تختصر ما قيل أو سيقال لاحقاً. القاعة كانت ممتلئة، الوجوه فرحة وبعضها متعب، لكن الرغبة في الكلام كانت واضحة… بل مُلحّة.
مع المداخلة الأولى بدا المشهد مألوفاً. مع الثانية، ظهر التباعد. ومع الثالثة والرابعة، أدركت أنني أمام حالة يصعب اختصارها. كل شخص كان يتحدث من مكان مختلف: أحدهم عن الغلاء، آخر عن الخدمات، ثالث عن الفساد، ورابع عن وجع شخصي لم يجد له منفذاً سوى هذا الميكروفون.
كنت أدوّن كثيراً، لكن كلما كتبت أكثر، شعرت أن الصورة تبتعد. لم تكن المشكلة في الناس ولا في صدق ما يقولون، بل في غياب الاتجاه. الأصوات كانت حقيقية، لكنها لم تكن متلاقية، ولا منظمة، ولا يجمعها عنوان يساعد على البناء والاستجابة.
قفزت لذهني كمقارنة احتجاجات لبنان أواخر عام 2019، تحت شعار «كلّن يعني كلّن». يومها، وجدت الصحافة نفسها عاجزة عن فهم الجمهور، منقسمة أمام تعدد المطالب وتشعّبها إلى حدّ استحالة ترجمتها. وهو ما تكرر حتى في مؤسسات صحفية عريقة لم تستطع الإحاطة بمطالب الشارع، فتأرجحت بين تغطية جزئية، أو تقسيم للجمهور، أو تجاهل غير مقصود.
بدت الندوة مرآةً للحالة السورية عموماً: شارع صمت قسراً وكرها لعقود، انفجر مع لحظة التحرير، فتضاعفت الأصوات والمطالب، ولا سيما مع انفجار وسائل التواصل الاجتماعي كفاعل أساسي في الحياة اليومية للسوريين. تزامن ذلك مع استجابة حكومية ملحوظة لـ«الترند»، ومشاركة رموز رسمية في النقاش العام عبر المنصات الرقمية، ما فتح شهية الجمهور أكثر، وعزّز محاولات البحث عن المشاركة والكلام.
لكن ماذا لو كان صانع القرار السوري، صحفي مثلي، يبحث عن عنوان؟ عن مطالب عامة، قابلة للقياس بتمثيلها وحتى للتحقيق، ومحددة الأولويات، فاي العناوين سيختار؟
الإشكالية التي لا نرغب في ولوجها، مصارحة الجمهور بواجبه، ودوره وضرورة تنظيم صوته ومطالبه، فلا الاعتراف بالعجز مقبول، ولا الإشارة إلى استحالة تنفيذ المطالب المحقّة مرغوبة. لكنها، حين تكون مبعثرة وغير متّسقة، تضيّع الخبر وعنوانه وسرده. تماماً كطائرة تحاول الإقلاع فيما ركّابها يتنازعون الاتجاهات… المؤكّد أنها لن تقلع.
خرجتُ من الندوة بحيرة كبيرة، وبمشهد عجز اضطررت لكشفه هنا، وأحلتُه ذهنياً إلى الحالة السورية الأوسع، خشية أن يكون التشابه بينهما كبيراً.
تنقّلت النقاشات بين قضايا معيشية وخدمية وسياسية وشخصية: العدالة الانتقالية، السلك الدبلوماسي، العلاقات الدولية، التمثيل النسائي في مجلس الشعب، خيارات الدولة في مواجهة «قسد» بعد اتفاق آذار، العلاقة مع «الهجري»، الموقف من العدو الإسرائيلي، العلاقات العربية والدولية، عودة الموظفين المنشقين، إنهاء المخيمات، إعادة الإعمار… ربما نسيت الكثير.
أدركت عندها، ألا عنوان لخبري، ولا يوجد متن يمكن البناء عليه. لا تسلسل منطقياً، ولا أولويات متفقاً عليها. ورغم مشروعية كل طرح على حدة، إلا أن هذا التشتّت حوّل الندوة من مساحة تعبير جماعي إلى ساحة مطالب متداخلة، يصعب على أي جهة رسمية أو إعلامية استخلاص رسالة واضحة منها.
تساءلت، متعاطفاً هذه المرّة مع صانع القرار السوري، أمام حزمة أصوات لا تعرف نهايتها، ولا تتقارب زمناً، ومشتتة بلغات متعددة. بعضها عادل، لكنه غير قابل للمعالجة. كأنك لا تواجه مطلباً، بل تواجه “ضجيجاً” يصعب تحويله إلى سياسة عامة.
غياب الاتجاهات المحددة في الخطاب الجماهيري يضع الحكومة السورية، أمام تحدٍّ حقيقي. فصنّاع القرار يحتاجون إلى مطالب واضحة، قابلة للقياس، ومعبّر عنها جماعياً، حتى تتحول إلى سياسات أو إجراءات. أما حين تكثر وتتعدد الرسائل وتتقاطع، تصبح الاستجابة مجتزأة أو مؤجلة، ليس تجاهلاً بالضرورة، بل نتيجة ضبابية الأولويات.
هو التحدّي ذاته الذي تواجهه الصحافة. أي صوت يمثّل الشارع؟ وأي مطلب يستحق أن يكون عنواناً رئيسياً؟ الإعلام، كي يؤدي دوره المجتمعي، يحتاج إلى حراك منظم، أو على الأقل إلى اتجاهات عامة يمكن رصدها وتحليلها، لا إلى” فوضى” خطابية وارتجال دائم.
الحديث عن انضباط الشارع، وقوننة مطالبه، وتأطير أصواته، لا يعني تقييد التعبير أو توحيد الآراء قسراً، بل التأكيد على تنظيم المطالب وصياغتها ضمن عناوين جامعة، تسمح بتحويل الصوت الشعبي من حالة انفعالية إلى قوة ضغط بنّاءة.
كصحفي، أؤمن أن واجبي الأول هو الإصغاء. لكن الإصغاء، حين لا يقود إلى فهم، يتحول إلى عبء إنساني حقيقي. أن تسمع الجميع، ثم تكتشف أنك عاجز عن تمثيلهم بعدل، ونقل صوتهم كوسيط نزيه بين الشارع وصانع القرار، هو أحد أقسى وجوه هذه المهنة.
الشارع لا يفتقر إلى الصوت، بل إلى البوصلة. ربما هذا ما يجعل المهمة الصحفية اليوم أكثر تعقيداً: كيف تكتب عن وجع موزّع على عشرات الاتجاهات من دون أن تختار واحداً وتقصي البقية؟
أدركت في النهاية أن المشكلة ليست في كثرة الكلام، بل في غياب ما يجمعه. وفي بلد مثقل بالتجارب والضغوط والتحديات كسوريا، قد تكون الحاجة اليوم ليست فقط إلى من يتكلم، بل إلى من يساعد على ترتيب ما يُقال، وفرزه بين الممكن والواجب والأولوية والمأمول، حتى لا تضيع الأصوات المحقّة في ازدحام الحياة اليومية ووسائل التواصل، ويصل صوت الأقوى “ضجيجاً” وتغيب أصوات أبناء المخيمات في قهرهم اليومي وشتائهم الأقسى.
باريس– محمد العويد