مقالات وآراء

أين أنت أيها الغائب الحاضر؟

بقلم: د. سليمان أحمد شيخ سليمان

 

أين أنت أيها الغائب الحاضر؟

أين أنت، أيها الذي علقنا صورته في شرفات الانتظار؟

أين أنت، يا وعد القيامة في زمن التعب، ويا بشارة الحياة بعد طول موات؟

سنوات طويلة مرّت ونحن نرقب الأفق، نحدّق في كل ظلّ عابر، ونحسبه أنت. كلما لاح غبار في البعيد، هرع القلب قبل القدمين، وهتفنا: لعلّه هو… ثم عدنا مع الغروب مثقلين، نضمّ إلى صدورنا بقايا حلم، ونتعزّى بأوهام تشبه زهر الزنبق؛ جميلة، بيضاء، لكنها لا تعيش طويلًا.

كانت أيامنا مثقلة بالأنين، وليالينا بلا نوم. وكل صباح كان يهبّ علينا برياح القلق، في حين كان الخصوم يزدادون صخبًا، كأنهم يحتفلون بغيابك، ويسخرون من انتظارنا لمخلّص لا يأتي.

أين أنت، ومتى تعود؟

فالقلوب ذابلة، والأرواح أوشكت أن تنطفئ. إن لم تهبّ بنفَسك النقي، فلن يبقى في بحيراتنا الجافة زنبق واحد، ولن يظلّ في حدائقنا أثرٌ ليدِ البستاني الذي عمل طويلًا فأبدع.. منذ قرون والأرض تُخاصم السماء، ومنذ أن جفّت العيون، تحوّل كل شيء إلى صحراء مترامية.

في هذا القفر الواسع، سألناك في كل قافلة، كما سُئل قميص يوسف ذات حزن. ثم عدنا نتحصّن بصبر جميل كما تحصّن أيوب عليه السلام، ننتظر ميلادًا جديدًا. وكم خدعنا أنفسنا! صفّقنا للصغار على أنهم عظماء، ورفعنا العاجزين إلى مصاف الفاتحين.. ركضنا خلف كل راية، ولم نجدك في واحدة منها. الذين صادفناهم كانوا قصار الهمم، ضيّقي الأفق، محروقين من الداخل؛ أفكارهم رماد، ونظراتهم قصيرة، وكلماتهم عارية من المعنى. لم نلمح فيهم وجعك، ولا بصيرتك، ولا ذلك المزيج العجيب من الألم والابتسام.

صار الزمن عندنا محرّمًا لا ينقضي، وصارت الأرض كربلاء ممتدة. في صدورنا أنين لا يهدأ، وفي عيوننا بحث دائم عن هلال الخلاص. نراك في كل وجه، ونسمع اسمك في كل صرخة. نحن عطاش إليك، متعلّقون بك، لا نعرف فكاكًا من هذا الشوق.

عرفناك وفيًّا، نقيًّا، واعيًا، بارعًا. لم يتلوّث من احتمى بظلك. كنتَ لحن الصدق الخالص. تبكي لبكاء أحبابك، وتفرح لفرحهم. لم تستطع الدنيا أن تقيّد روحك، ولا أن تشدّك بحبالها. كنتَ نافعًا، صادقًا، خارج حسابات الربح والخسارة.

حين حملتَ العبء الثقيل، كنتَ تعرف تمامًا ما تفعل. لم تُرهِبك الطرق الوعرة، ولا البحار المضرّجة بالدم. دخلت طريقك عاشقًا، وقلت: دخلنا درب المحبة، فلا نطلب مجدًا ولا زينة.

أتذكرُ أيها الغائب المنشود! حين قاسوا حياتك بشوكةٍ آذت من تحب؟ وخيروك وأنت تحت المقصلة: بين أن تنجو مقابل شوكةٍ يُشاكُ بها حبيبُك؟ وبين تفديه بعمرك وحياتك ولا يُشاك؟

ثرتَ يومها، وقلت: لو كانت لي ألف روح، لما بخلت بها على شعرة منه. هناك عرفَتْ الدنيا معنى الوفاء.

أين أنت يا خُبيب؟!

وأتذكر حين قطعوا أطرافك، وتركوك جسدًا بلا أطراف، إلا رأسًا شامخًا؟

كنت تخشى على حبيبك أن يخلُصَ إليه مكروه فقلتَ: ما دام هذا الرأس فوقَ كتفيّ، فسأتابع العمل على حمايته. أين أنت يا مُصعب؟

وأنت، حين اندفعت كالإعصار، تقود الجيوش، وتفتح الآفاق، وتسقط العروش، كأنك نار أو طوفان. مررت فأنبتت الأرض، وخلفت العمران حيث كان الخراب. حسبك الناس ملاكًا مسلّحًا، حتى إذا بلغتَ ذروةَ المجد، قيل لك: تنحَّ عن منصبك ومجدك الدنيوي!

فأنصتَّ، ورضيتَ، ودخلتَ تحت إمرة غيرك، ومضيت جنديًّا بين الجنود.

كيف احتملتَ؟ أين خبأْتَ كبرياءَك؟ أين أنتَ يا خالد؟

وأنتَ، حين دخلتَ بلا حاشية، ولا زينة، ولا حساب لهيبة المكان. ثيابُك عادية، وخطواتك ثابت، كأنك تدخل خيمة في الصحراء لا عرش كسرى. مشيتَ على السجاد الأحمر غير عابئ بلونه ولا بثمنه، حتى شقّه سيفك، لا احتقارًا، بل لأنك لم ترَ فيه أكثر من قماش. لم تنحنِ، ولم تتلعثم، ولم تبحث عن صيغة تُرضي العرش. اتكأتَ على سيفك كما يتكئ الواثق على يقينه، ونظرتَ إلى الملك كما يُنظر إلى بشر، لا إلى ظلّ إله.

كانوا ينتظرون طقوس الخضوع، فإذا بك تُسقط الطقوس كلّها بجملة واحدة. قلتها بهدوء من يعرف لماذا جاء: لقد ابتعثنا الله لنُخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. في تلك اللحظة، لم يتمزق السجاد الأحمر وحده، بل تهاوت فكرة التعالي كلها. لم يسقط العرش بالسيوف، بل بالمعنى.

منذ ذلك اليوم، ونحن لا نفتقد ربعي بن عامر كشخص، بل نفتقد هذا الوزن الإنساني النادر؛ إنسان لا يُربكه البريق، ولا تُخيفه العروش، ولا يُغريه التصفيق. نفتقد من يدخل القصور بالقلب نفسه الذي يدخل به الخيمة، ويخرج من الموقف أكبر مما دخله، دون أن يرفع صوته أو اسمه.

فأين أنت يا ربعي!

وأين أولئك الذين إذا حضروا، أعادوا ترتيب المقاييس، لا ترتيب المقاعد؟

وآخر، كان سلطانًا وفاتحًا للشرق والغرب، ومع ذلك جعل من ثوبٍ أصابه طين فرسِ معلّمِهِ وشيخهِ كفنًا خاصًّا له وأوصى بأن يُدفن معه في القبر.. أي تواضع هذا؟ أي روح؟ أأنتَ إنسانٌ؟ أم ملاك يمشي على الأرض؟ أين أنت يا سليم؟!

ننظر إلى الطريق الذي جئت منه أول مرة، وتعلّقت أبصارنا به. السنين تمضي، والأمل لا يموت. سنظل نسأل عنك في كل قافلة، ونبحث عنك عند كل فجر. لن يثنينا يأسُنا، ولا صخب أعدائنا.

سنُخدع مرارًا، ونركض خلف سراب، ونخطئ الطريق ألف مرة، لكننا لن نتخلّى عن الحلم، وسنظلّ نبحث عنه ونوصي الأجيال أن ترقبه وتضحي من أجله. حتى الأكاذيب التي تُقال باسمك، لن تجعلنا نترك الطريق.

أيها البطل الساكن في أحلى الأحلام!

في زمن يُراد فيه للرياء والمنصب أن يطفئا نور الأمل، لا تطل الغياب، القلوب المتعبة تحتاج نفَسَك… والأجيال تحترق شوقًا إليك.. فلا تتأخّر.

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock