العلاقات السورية الصينيةالعناوين الرئيسيةمقالات وآراء

الانطلاق من جديد… على أساس الإنجازات المحققة على مدى 65 عاماً

بقلم السفير الصيني في سورية فنغ بياو

تعد الصين وسورية أصحاب حضارة عريقة، ويرجع تاريخ التواصل بين الشعبين إلى زمن بعيد، حيث كان طريق الحرير القديم يربط الجانبين بشكل وثيق.

في مثل هذا اليوم وقبل 65 عاماً، أعلنت الصين وسورية عن إقامة العلاقات الدبلوماسية على مستوى السفراء، وأصبحت سورية من أوائل الدول العربية التي تبادلت التمثيل الدبلوماسي مع الصين، ومنذ ذلك الحين، كتبت الصين وسورية صفحة جديدة للصداقة بينهما.

منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية قبل 65 عاماً، ورغم تغير الأوضاع الدولية والإقليمية، ظل البلدان يلتزمان بـ«روح طريق الحرير»، ويتبادلان الفهم والدعم، فأصبحت الصداقة الصينية السورية علاقة مميزة، ونموذجاً يحتذى به للعلاقات بين الدول المختلفة من حيث المواقع الجغرافية والثقافة والنظم السياسية.

كانت الصين وسورية صديقين عزيزين بكل إخلاص ووفاء، ومنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما تكثف التواصل السياسي بين البلدين، وكانت سورية من أكثر دول الشرق الأوسط التي زارها القادة الصينيون، حيث لم ينقطع التواصل السياسي بين الجانبين في السنوات الأخيرة التي خاضت سورية فيها في حرب مكافحة الإرهاب، وتبادل رئيسا البلدين برقيات ورسائل بشكل كثيف، وأصبحت العلاقات الشخصية بين الرئيس شي جينبينغ والرئيس بشار الأسد عميقة جداً.

العلاقة بين الصين وسورية علاقة «الصديق الوفي» بكل ما للكلمة من معنى، إذ يدعم الجانبان بعضهما البعض في الساحة الدولية ومتعددة الأطراف للدفاع عن العدالة والإنصاف الدوليين.

ظل الجانب الصيني يدعم جهود سورية في صيانة السيادة الوطنية وسلامة الأراضي، واستخدم حق النقض 10 مرات في مجلس الأمن الدولي ضد مشروعات القرار المتعلقة بسورية، ودعا إلى دفع العملية السياسية بـ «قيادة السوريين وامتلاك السوريين»، وناشد المجتمع الدولي برفع جميع العقوبات أحادية الجانب والحصار الاقتصادي المفروض على سورية فوراً.

من جانبه، يقدم الجانب السوري دعماً ثابتاً للصين في القضايا المتعلقة بمصالحها الجوهرية وهمومها الكبرى، ويرفض تدخل الدول الغربية في الشؤون الداخلية الصينية باستغلال الملفات المتعلقة بهونغ كونغ وشينجيانغ، وأطلق صوته الداعم للصين علناً في ملف كشف مصدر فيروس كورونا المستجد، ورفض قيام الدول الغربية باستغلال هذا الملف لتشويه صورة الصين، ويمكن القول إن الأساس للثقة السياسية الإستراتيجية بين الصين وسورية ثابت مثل الحديد.

سورية والصين شريكان بالتعاون والمنفعة المتبادلة، وظلت سورية من أهم شركاء التعاون الاقتصادي والتجاري للصين في منطقة الشرق الأوسط، وكانت الصين ثاني أكبر مصدّر لسورية قبل الأحداث في عام 2010، حيث كانت عشرات الشركات الصينية تزاول أعمالها في سورية في مجالات الاستثمار والتجارة والمشاريع.

بعد اندلاع الأحداث في سورية، ما زالت الصين أهم شريك تجاري لسورية، رغم الصعوبات الناجمة عن العقوبات أحادية الجانب المفروضة من قبل الولايات المتحدة والدول الغربية، كما تعد الصين من أكبر الدول التي تقدم المساعدات لسورية، لغاية اليوم، حيث قدمت الصين لسورية مليارين و40 مليون يوان صيني من المساعدات الاقتصادية في مختلف المجالات، وبعد عام 2011، قدمت الصين على وجه الخصوص المساعدات الأكثر إلحاحاً لحكومة سورية وشعبها، مثل الحبوب الغذائية والأجهزة الكهربائية والباصات وأجهزة التفتيش للجمارك وغيرها من المساعدات الإنسانية، كما درّبت كثيراً من الكفاءات السوريين في مختلف القطاعات، وذلك يساهم بشكل إيجابي في التعافي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في سورية.

بعد اندلاع وتفشي جائحة كورونا في العالم مطلع عام 2020، كان فخامة الرئيس بشار الأسد من أوائل الرؤساء الأجانب الذين بعثوا الرسائل التضامنية للرئيس شي جينبينغ، كما أطلق المجتمع السوري مبادرة لدعم معركة الصين ضد الجائحة.

 

من جانبها، تقاسمت الصين خبرات مكافحة الجائحة مع سورية من دون أي تحفظ، وقدمت لها كمية كبيرة من المساعدات الطبية، مثل اللقاحات والأجهزة الطبية، ولغاية اليوم، تم تسليم سورية 300 ألف جرعة من اللقاح من الحكومة الصينية والجمعية الصينية للصليب الأحمر، بالإضافة إلى 500 ألف جرعة أخرى في الطريق.

يمكن القول إن الصين وسورية، تحت الشعار «تضافر الجهود لمكافحة الجائحة»، سجلتا صفحة جميلة للتضامن والتآزر، الأمر الذي يعتبر تجربة فعلية لتكريس مفهوم مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.

الصين وسوريك وكأخوين حميمين بالإعجاب المتبادل، يقومان بالتوظيف الكامل لميزتهما كصاحبي حضارة عريقة، لتحقيق التنمية في كلا البلدين والتنمية المشتركة.

وقّع البلدان على اتفاقية التعاون الثقافي قبل إقامة العلاقات الدبلوماسية، وسورية كجزء من بلاد الرافدين ومهد الحضارة البشرية و«ملتقى الحضارات»، كانت من أهم المقاصد للفرق الفنية الصينية وأفضل خيار للدارسين الصينيين للغة العربية، كما كانت سورية مشاركاً مهماً لمشروع الترجمة المتبادلة للكتب الصينية والعربية الكلاسيكية. رغم أن التواصل بين البلدين تعرّض للتأثير بعد الأحداث، غير أن التواصل الشعبي بين البلدين لم ينقطع على الإطلاق وفي هذا السياق، شاركت سورية في ملتقى الحوار بين الحضارات الآسيوية المنعقد في الصين عام 2019، وعُرض في الصين 232 قطعة أثرية سورية، كما تدعم الصين بقوة التواصل والتعاون مع سورية في مجال التربية والتعليم، إذ بلغ عدد الوافدين السوريين في الصين 595 شخصاً في عام 2020، ومن بينهم 154 طالباً بالمنح الحكومية الصينية.

قبل أيام، قام مستشار الدولة وزير الخارجية الصيني وانغ يي بزيارة موفقة إلى سورية، تعتبر هذه الزيارة الأولى من نوعها منذ 12 سنة، وخلال هذه الزيارة، أجرى مستشار الدولة وانغ يي لقاءات ومباحثات مع فخامة الرئيس بشار الأسد ووزير الخارجية فيصل المقداد على نحو صريح وودي ومعمق، حيث أوضح رؤية الصين بالنقاط الأربع لحل الملف السوري، وأكد ضرورة احترام سيادة سورية واستقلالها، وتخفيف حدة الأزمة الإنسانية في سورية في أسرع وقت ممكن، ومواصلة مكافحة الإرهاب حتى استئصاله، ودفع الحل السياسي عبر المصالحة والتسامح.

هذه الزيارة بعثت رسالة واضحة إلى العالم، مفادها أن الصين تدعم حكومة سورية وشعبها لصيانة السيادة والاستقلال والكرامة الوطنية، وترفض التدخلات الخارجية وسياسة القوة.

في نفس الوقت، توصل الجانبان إلى توافقات كثيرة في مجالات الاقتصاد والتجارة ومكافحة الإرهاب وإلخ.

تعد هذه الزيارة معلماً جديداً للعلاقات الصينية السورية، وأرست أساساً جديداً لعلاقات الصداقة الإستراتيجية بين البلدين، وأضفت ديناميكية جديدة على التطور الشامل والمعمق للعلاقات الثنائية.

في الأول من تموز هذا العام، ألقى الرئيس شي جينبينغ كلمة مهمة في الاحتفال بمناسبة الذكرى الـ100 لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، حيث أعلن بكل مهابة أن الشعب الصيني قد حقق الهدف المئوي لبناء مجتمع رغيد الحياة على نحو شامل تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني، كما وجّه جميع أعضاء الحزب وأبناء الشعب بإطلاق مسيرة جديدة نحو النهضة العظيمة للأمة الصينية.

يحافظ اقتصاد الصين على التطور السريع وعالي الجودة بعد التأثير العابر الناجم عن الجائحة، إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي في النصف الأول للعام الجاري 53.2 تريليون يوان صيني، بزيادة 12.7% على أساس سنوي.

يمر عالم اليوم بتغيرات غير المسبوقة منذ 100 عام، وتُسرّع جائحة كورونا وتيرة التغيرات للمعادلة الدولية، وتزيد اتجاه «صعود الشرق وهبوط الغرب» في الخريطة الدولية.

في الوقت نفسه، تتفشى «الفيروسات السياسية» مثل نزعة الأحادية والحمائية وسياسة القوة، فما زال السلام والتنمية الدولية يواجهان كثيراً من المخاطر والعناصر غير المؤكدة، لكن «مجتمع المستقبل المشترك للبشرية» تحول إلى تطلع مشترك للبشرية جمعاء بشكل تدريجي.

 

تعد الصين وسورية شريكين في إقامة «مجتمع المستقبل المشترك للبشرية» وإقامة نوع جديد من العلاقات الدولية، وحرص الجانب الصيني على مواصلة التضامن والتعاون مع الجانب السوري على الصعيد السياسي، حفاظاً على مصالح البلدين والدول النامية الغفيرة.

إن البلدين شريكان طبيعيان في بناء «الحزام والطريق»، ويحرص الجانب الصيني على مواصلة البحث مع الجانب السوري عن طرق فعالة لدفع التعاون العملي، بما يحقق المواءمة الإستراتيجية بين مبادرة «الحزام والطريق» وإستراتيجية «التوجه شرقاً» المطروحة من فخامة الرئيس بشار الأسد منذ وقت مبكر، ومواصلة تعميق التعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والزراعة والصحة والبنية التحتية، وستقدم الصين المزيد من المساعدات لسورية على قدر الإمكان، لتحسين معيشة الشعب السوري وإعادة الإعمار الاقتصادي والاجتماعي.

أنا على يقين بأن الصداقة الصينية السورية، تحت العناية والتوجيه الشخصي من رئيسي البلدين، ستحقق تطورا أكبر في المرحلة الجديدة، وستأتي بمزيد من الخير لشعبي البلدين.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن أون لاين

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock