مقالات وآراء

«البشت».. والعنصرية

| فراس عزيز ديب

هكذا.. أبت كأس العالم أن تودعنا إلا بقصةٍ جديدة تثبت ما يعانيهِ هذا العالم من نفاقٍ يزيدُ حجم الشرخ بين البشر، قصة جديدة أعادت الحياة لطبقةٍ من العنصريين بعد أن شكَّلَ الحدث بالنسبةِ لهم مادة جديدة للظهور، كيف لا والحدث بحجم شيءٍ اسمه «البشت»!

أعترف بأنني قبلَ هذه البطولة لم أكن لأسمع بشيءٍ اسمه البشت، ففي بيئتنا اعتدنا تسمية هذا الشيء بـ«العباية»، كما أن لدى أهلنا في بعض المناطق السورية ذات التكوين العشائري معاني كبيرة لفكرة ارتدائكَ عباءة مقدمة منهم، لكن ما من أحد كان ليتوقع أن يُصبح هذا «البشت» حديث العالم أجمَع لمجرد أن قام أمير قطر بإلباسهِ لنجم الكرة الأرجنتينية ليونيل ميسي لحظةَ التتويج بكأسِ العالم، لتبدأ بعدها الحملات على التقاليد العربية من مبدأ أن هذا الحدث بهذه الطريقة هو تقليل احترامٍ وفرض لثقافةٍ ما وإجبار الشخص على ارتداء ما لا يحب، تحديداً إن مثل صور كهذه ستبقى عالقة بالأذهان لعقود، حتى الكيان الصهيوني أدلى بدلوهِ، معتبراً هذا الحدث أنه عار على كرة القدم.

لا يترك الغرب المنافق أي صغيرةٍ أو كبيرة ليثبت لنا حجم التناقضات التي يعيشها، فالغرب الذي امتعضَ من حدثِ إلباس اللاعب شيئاً خارج عاداته وتقاليده هو ذاته الذي يهاجم ليلَ نهار أي لاعبٍ أو شخصية رياضية ترفض ارتداءَ شعارات دعم المثليين، لماذا لا يتحدثون عن العارِ هنا عندما يتعلق الأمر بفرضِ دعم المثليين على الجميع؟ في العام الماضي تعرض لاعب باريس سان جيرمان السنغالي إدريسا غايا لشتائم وإهانات عنصرية اضطرته لإقفال خاصية الرسائل لجميع حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي ومطالبات بطردهِ من النادي لتعمده الغياب عن مباراة فريقهِ بسببِ رفضهِ ارتداء قميصٍ يحمل شعارات دعم المثليين!هنا تصبح العنصرية أمراً عادياً لكونها تتعلق بلاعبٍ لا ينتمي لأصحابِ البشرة البيضاء.

لكن ولأننا نتحدث عن العنصرية ومن باب الواقعية وجلد الذات لا يبدو أن الكثير من العرب يقل بعنصريتهِ عن الأوروبيين، المشكلة أننا نمارس هذه العنصرية من دون أن ندري حتى بتفاصيلنا اليومية، فمثلاً كم عدد الذين نشروا صورة المنتخب الفرنسي خلال كأس العالم 1982 وكأس العالم 2022 لمقارنتها حسبَ ما يزعمون بتطور اللون عند الفريق، حيث أصبح أغلبية اللاعبين من أصحاب البشرة السمراء؟ أليست هذه المقارنات هي مقارنات عنصرية؟ ثم لماذا لا ننظر إلى الموضوع من بابٍ آخر، أليس الوصول لتصالح كهذا كسراً للعنصرية؟ ترى أي مصير كان سينتظر الكثير من اللاعبين لو لم تأتِ بهم هذه الدولة أو تلك من مخيمات اللجوء؟

في الخلاصة: قيلَ الكثير في وصف وشرح العنصرية، من الاعتقاد بتفوق أشخاص نتيجة للون بشرتهم وصولاَ لكونها منبعاً للكراهية بين البشر، لكن مما لاشك فيه أننا يجب ألا نكتفي بكوننا لسنا عنصريين، بل علينا القتال ضد العنصرية تحديداً عندما نكون، ومن دون أن ندري، نمارس أسوأ أنواع العنصرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن أون لاين

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock