مقالات وآراء

الشياطين لا تكمن دائماً في التفاصيل: هل خضعَ «السلطان» للقيصر؟

بقلم : فراس عزيز ديب

«إن هذا الاتفاق يتضمّن عدداً منَ النقاط الغامِضة، ومسائلَ يصعبُ التعامل معها»، بهذهِ الكلمات الممزوجة بلهجةِ الغضب وصَّفت الرئاسة الفرنسية الاتفاق الذي تمّ بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان بشأن وقف إطلاق النار في إدلب.
الرئاسة الفرنسية بدَت بموقفِها وكأنها تحاولُ ردَّ الصّاعَ لبوتين عندما رفضَ قبلَ أسابيع طلبَ الإليزيه عقد قمةٍ رباعية تضم إضافة إلى روسيا وفرنسا كلاً من تُركيا وألمانيا بهدفِ إيجاد حلٍّ وسط لانزلاقِ الوضع في إدلب، إلا أنه جاء متقاطعاً مع وجهةِ النظر الأميركية التي بدَت ممتعضةً من هذا الاتفاق والشكل الذي خرجَ بهِ مطالبةً بالعودةِ لحدودِ سوتشي قبلَ إعلان وقف إطلاق النار، ليتجسدَ هذا الامتعاض بتعطيلِ الولايات المتحدة مشروعَ قرارٍ في مجلسِ الأمن يتبنى بنودَ الاتفاق، ليبقى السؤال الأهم فعلياً: هل نجحَ القيصر فعلياً بإخضاعِ «السلطان»؟
واقِع الأمر أن الاتفاق فعلياً يحتوي على ما هو غامض أفرغهُ من أهميته، لدرجةٍ بدا فيها كأنهُ استنساخٌ للكثيرِ من الاتفاقيات التي سبقتهُ والتي قدمَ فيها أردوغان الكثيرَ من التنازلات على الورق، بينما لم ينفذ عملياً أياً من بنودها فكانت نتيجتها الفشل، وربما أن المتغيِّر الوحيد أن الاتفاقيات السابقة بُنيَت على فرضيةِ أن الشيطانَ يكمنُ في التفاصيل، أما الاتفاق الأخير فبدا كأن فيهِ مجموعةَ شياطين تجتمعُ في التفصيلِ الأهم وهو الالتزام، شياطينٌ يمكننا اختصارها بالآتي:
الشيطان الأول: مصير قوات الاحتلال التركي
كان من الطبيعي أن تكونَ العبارة الأولى لأردوغان بعدَ توقيعِ الاتفاق بأن الجيش التركي يحتفظ بحق الرد على الاستفزازات السورية، عبارةٌ بدت بالنسبةِ له وللإعلام المتأَخوِن الذي يطبِّل لهُ أشبهَ بشعلةِ انتصارٍ، تحديداً بعدَ أن سقطَ هو وجيشهُ في المعاركِ الواقعية على الأرض، ليس ذلك فحسب بل بدت هروباً من تكشّفِ الأكاذيب التي كانَ يطلقها خلال المعارك، فلو جمعنا حجم ما تحدث عنه من خسائرَ في صفوف الجيش العربي السوري لربما ما تبقى لدينا إلا دبابتان وسريةَ مقاتلين، دون أن يسألهُ هذا الإعلام المتأخون: لماذا سارعتَ لطلبِ وقفٍ لإطلاق النار مع جيشٍ ألحقت بهِ خلالَ أسبوع كل هذه الخسائر؟
بالتأكيد لا جواب، لكنها ليست المعضلة الوحيدة التي بقيت من دون جوابٍ بعدَ توقيعِ اتفاق الهدنة، لأن السؤال هنا ماذا عن مصير نقاط المراقبة التركية المحاصرة، هل ستبقى محاصرة، لأنها أساساً لم يعد لها ما تراقبه؟
السؤال حول نقاط المراقبة التركية ينسحب على وجود الجيش التركي فيما تبقى من ريفِ إدلب، فالدوريات عملياً لا تحتاج لدباباتٍ ومدرعات، والدوريات لا تحتاج لمدفعيةٍ مضادة للطيران، وفي الوقت ذاته فإن إبعادَ المسلحين لمسافةِ ستة كيلومترات على جانبي طريق أريحا اللاذقية لن يُبقي الطريق آمناً، تحديداً أن فوضى السلاح في تلكَ المناطق كفيلة بتحويل الكثير من ذئاب الإرهاب المنفردة إلى قطاعِ طرقٍ، حتى لو بدا أردوغان وكأنهُ قد ابتلعَ الطعم، فإما إبعادهم وبالتالي إضعافَ خطوطِ إمدادهم، أو إخفاقه وبالتالي الصدام معهم وهو أمر بعيد المنال فمنذ متى يعض الكلب ذيله؟
بكل الأحوال أيَّاً كانت الاتفاقيات فإن معضلةَ الجيش التركي على الأرض السورية لا تفرق عن وجود الجيش الإسرائيلي، كلاهما احتلال، فهل يمكن للمحتل أن يكون حمامةَ سلام؟!
الشيطان الثاني: تصاعد أزمة اللاجئين
بدَت الصّوَر التي يتم تناقلها منَ الحدود اليونانية التركية صادمةً، بمعزلٍ عن رأينا بهؤلاءِ اللاجئين أنفسهم والأسباب الحقيقية التي دفعتهم لقبولِ مصيرٍ مذلّ كهذا، لكن أن يصلَ الأمر بمتاجرةِ أردوغان حتى بما تبقى من ثيابٍ تسترُ عورات هؤلاء عندها علينا أن نتساءل: أي التزامٍ سيحققه هذا الأمّعة في إدلب؟ وهو يختلقُ اليومَ هذهِ الأزمة مع الاتحاد الأوروبي، علماً أنه وقَّعَ معهم اتفاقاً تقاضى من خلالهِ المليارات بهدف ضبطِ حركة النزوح.
إن ورقةَ اللاجئين والمتاجرةَ بها لم تغِب عن بنودِ اتفاق وقف إطلاق النار الأخير فحسب، لكنها للأسف دخلَت في دوامةٍ جديدةٍ بعدَ أن أصبحت معركةَ كسرِ عظمٍ بين أردوغان والأوروبيين، فأردوغان لم يعُد يكتفي بسياسةِ الابتزاز فحسب عبرَ رفعِ مطالبهِ المالية والسعي عبرَ أذرعهِ الإعلامية بأن يكون من بينِ بنود اتفاق اللاجئين الجديد بند لتفعيل مفاوضاتِ دخول تركيا في الاتحاد الأوروبي عبرَ جدولٍ زمنيٍّ محدد، هذا الحُلم الذي يطارد أردوغان وهو يعلم استحالةَ تحقيقهِ تماماً كاستحالةِ ضمهِ لكل من حلب والموصل، لكنه يبحث عن نصرٍ معنوي يُنسي الجميع تهديداته بإعادة الجيش العربي السوري إلى النقاط التي كان فيها قبل الأول من شباط الماضي، وإعادة تعويم فكرةَ المنطقة الآمنة. واقع الأمر أن الاتحاد الأوروبي باتَ يلتقي ضمنياً مع أردوغان حولَ فكرةِ المنطقة الآمنة، فقد عبرَ عددٌ من المسؤولين فيه عن رغبتهم في إعادة تعويمِ الفكرةَ المستندة لحظرٍ جوي عبرَ قرارٍ من مجلسِ الأمن أو دونه بحيث تكون هذهِ المنطقة نقطةَ تجميعٍ لكلِّ اللاجئين والاستعاضة عن دفع الأموال للنظام التركي لإغلاق المنافذ أمامهم، بالدفعِ لإعادة إعمار تلكَ المناطق، لكن هذا الطرح الساذج فيما يبدو لم يأخذ بعين الاعتبار أن الأوروبيين أمام خيارين لا ثالثَ لهما، إما التعاطي مع الحكومةِ السورية وهو ما يرفضونه أو التعاطي من جديدٍ مع الفخ الأردوغاني لكون تركيا هي المنفذ الوحيد لإدلب وهو ما يسعون للهروبِ منه، لتبقى ورقةَ اللاجئين تلك أُحجية لا حلَّ لها ما دامت وسيلة ابتزازٍ بيد الأطراف المشاركة في الحرب على سورية، بل إن الاتحاد الأوروبي بدا كمن يتعامل معها كمشكلةٍ طويلةِ الأمد، فبينما الناس تموت برداً وجوعاً في العراء بعدَ أن تاجرَ بهم التركي فإن الاتحاد الأوروبي قرَّرَ الدعوة لاجتماعٍ للدولِ المانحة في تموز القادم! هل هناكَ متاجرة أبشعَ من ذلك؟
الشيطان الثالث: رجب طيب أردوغان
هُنا تكمن المعضلة الأساسية لأن كل ما يجري يبدو مرتبطاً بشخص لا بإستراتيجيةِ دولة. في حديثهِ لقناةِ «روسيا 24» طرح الرئيس بشار الأسد فكرة مهمة على الأتراك أن يتعاطوا معها بالكثيرِ من المسؤولية: ماذا فعلت سورية لتركيا؟
دائماً ما يكره الناس تعبيرَ الحربِ المقدسة من مبدأ أن لا قداسةَ للحروب لكونها أولاً وأخيراً صورة عن الدمارِ والخراب. لكن في الوقت ذاته ليس بالضرورةِ أن يكونَ مصطلح الحرب المقدسة مرتبطاً بالحروب الدينية، هذه الفكرة ليست صادقة مئة بالمئة فقدسية الحرب التي يخوضها أي شخص أو يُجبَر على خوضِها من بابِ الدفاعِ عن النفس، تأتي من قدسيةِ الهدف الذي يسعى لتحقيقهِ أو القضية التي يقاتل لأجلها، لا يُمكن أن أوصِّف من يدافعَ عن أرضهِ بذات التوصيف الذي يحمله المعتدي والمحتل، من هذا المنطلق: ما القضية التي يدافع عنها أردوغان حتى يزج المنطقة بما فيها جيشه وشعبهُ بحربٍ لا طائلَ منها؟
ببساطةٍ نحن هنا أمام أزمةٍ تتجسد في شخص، هذا الشخص يبدو كالمنهل الذي تنهل منه كل شياطين المنطقة، إن اتفقتَ معه على تحييد شيطانٍ ما فسيستجلبُ لك شياطين آخرين، فماذا ينتظرنا؟
دائماً ما تشكلُ كلمةَ اتفاقٍ بارقةَ أملٍ وفرصةً لطي سني الحرب الطويلة، إذ لا يمكن لعاقلٍ أن يسعى للحرب في وقتٍ يمكنه فيه صُنعَ حدائقَ سلام، في هذا الإطار لم توفّر سورية يوماً أي جهدٍ لاحترام التزاماتها انطلاقاً من ثقتَها الكاملة بالحلفاء، بل إن سياسةَ المصالحات التي تعتمدها القيادة السورية ترتكز في الكثير من معطياتِها على فكرةِ «حقن الدماء». لكن المشكلة بكل ما يتعلق بالاتفاقيات مع النظام التركي السابقة والحالية لم تكن الاتفاقيات ذاتها، بقدرِ ما كانت الثقة بأن التركي سيلتزم، التجربة الواضحة والصريحة معَ ما يرمي إليه رأس النظام التركي تبدو غيرَ قابلةٍ للتبدل، هو يريد فقط أن يستجمع قواه تمهيداً لما هو آتٍ لأنه ببساطةٍ لم يهضم بعد حجم ما تعرض لهُ هو وجيشهُ من إذلالٍ على تخومِ سراقب، لكن في كل مرة ينقلب فيها التركي على التزاماته كان يعطينا الفرصة لتحرير المزيد من الأراضي، كان آخرها ما جرى في الشهرِ الماضي، هو ظن بأنهُ قادر كل مرة أن يستغلَ الشيطان الكامن في التفاصيل، لكنه هذه المرة عليهِ أن يتذكر أن كل الشياطين الكامنة في تفصيلِ الالتزام لن تفيده، وبانتظار الجولة القادمة في الميدان!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن أون لاين

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock