مقالات وآراء

الــزّمــن الــفــاصـــل

بقلم: أ. د. بثينة شعبان

تخجل الكلمات من هول معاناتهم، وتستحي الدروب من عجزها أن توصل إليهم حبّة دواء أو رشفةَ ماء أو لقمة طعام تقيهم مرارة الموتِ جوعاً وعطشاً وقصْفاً، ولا يخجل من أثقلوا كاهل البشرية بأكاذيبهم عن الديمقراطية وحقوق الإنسان أن يستخدموا كلّ سلطتهم وتأثيرهم كي يسدّوا سبل العيش عن شعب محتلّ ومحاصر، وعن امرأة وطفل، كلّ ما يبتغونه هو العيش بأمن وسلام على أرضهم وفي منازلهم، ولا يخجل الغربيون وهم يحملون عار جرائم من يقتل طواقم طبية وطواقم إعلامية ومتطوّعين لإنقاذ ضحايا القصف ممن نذروا أنفسهم لعمل إنسانيّ نبيل، ولمؤازرة إخوة لهم في الإنسانية، فأثبتوا أنهم حتى وإن استشهدوا أنهم هم الذين يمثّلون حضارة الإنسان ورُقيّ أخلاقه، وكلّ ما خوّله أن يكون خليفة الله على الأرض، في الوقت الذي سقطَ فيه القناع عن الغرب؛ كلّ الغرب، وتيقّن العالم من كذبه ونفاقه وارتهانه الأعمى لحفنة شياطين لا يعرفون معنى الإنسانية وقداسة العلاقة بين الخالق والمخلوق.

في الأيام والأسابيع التي تمنع فيها الولايات المتحدة وقف العدوان على النساء والأطفال، وتمنع اتخاذ قرار بفتح المعابر وإيصال سبل البقاء لأناس لا حول لهم ولا قوّة، في هذا الوقت تحكم بالموت، عبر إرسالها أحدث القنابل والصواريخ، على عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والمدنيين العُزّل من دون خجل أو وجل، ومن دون أن ترتفع أصوات حتى في الشرق والجنوب لتستصرخ الناس، كلّ الناس، لإيقاف عدوان إبادة وحقد شيطاني لم تشهد البشرية له مثيلاً. من لم يستطِع الوقوف في وجه كلّ هذا الظلم يمكن له على الأقلّ أن يغيّر مجرى الرياح، وأن يُعلن مرة وإلى الأبد سقوط الغرب، كلّ الغرب، بدُوَلِه وإعلامه وتاريخه وكتبه وأدبه في هاوية العنصرية والقتل المجرم بدم بارد لجرحى وأطفال ونساء ولاجئين ونازحين في المدارس والكنائس والمساجد. وبهذا فقد انتهك الغرب حرمة الحياة والمقدّسات. وأقلّ ما يمكن فعله اليوم من أصحاب الضمائر في كلّ مكان هو تعريف هذا الغرب بما برهن عنه وتصنيفه ووضعه في الخانة التي يستحقّها، وسحب كلّ الأوصاف التي أسبغها على نفسه، كذباً وزوراً، على مدى قرون وبرهنت في اللحظة الحاسمة أنها لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة، وأنها ثياب خدّاعة يتمّ استخدامها لخلق الوهم والانبهار بما تحقّقنا جميعاً من أنه سراب كلّما ظننت أنك وصلت إليه اكتشفتَ أنه لا ينضوي على شيء.

هذه التضحيات التي دفع ثمنها الشعب الفلسطينيّ واللبنانيّ يجب ألّا تمرّ مرور الكرام، بل يجب على الأقلّ أن تشكّل محطّة تاريخية تفصل، وبشكل لا لبْسَ فيه، بين ما قبلها وما بعدها. وهذه فرصة ثمينة لدول الشرق والجنوب أن تبرهن ما كانت تدعو له منذ عقود عن أهمية الأخوة في الإنسانية، وعن تشكيل الغرب الاستعماري المتعطّش للدماء عائقاً أكيداً في طريق الوحدة بين البشر، والمؤازرة على البرّ والتقوى بدلاً من الإثم والعدوان. لا يمكن أن يُفهم الجمود والكسل الذي يعتري العالم برمّته، والصمت المريب إزاء أسوأ جريمة إبادة شهدتها البشرية في القرن الواحد والعشرين. كلّنا يفهم عدم رغبة الأطراف في إشعال فتيل حرب عالمية ثالثة، ولكن تثبيت الحقائق والمفاهيم لا يحتاج إلى حاملات طائرات ولا إلى غوّاصات نووية، بل إلى عزيمة ومقدرة لغوية وفكرية وإعلامية على تحديد الزمن الفاصل، وهو واضح اليوم بين ريادة الغرب التي ادّعاها وبين هزيمته الأخلاقية المشينة لدى أوّل امتحان حقيقيّ لكلّ ما يدّعيه، وهو الزمن ذاته للفصل بين إرث الغرب الفكريّ وكلّ ما أنتجه من تصنيفات لدولنا وشعوبنا، وبين إرث جديد نكتبه نحن كلّنا جميعاً، ونستودع إرث الغرب في غُرَفِه المظلمة ونغلق أبواب مكتباته وأبحاثه لأنها برهنت أنها محض هُراء ونفاق.

في هذا الزمن الفاصل نُعيدُ تعريف الفقير والغني، والحضاريّ والمتخلّف، والمتقدّم والمتأخّر، بعيداً عن كلّ ما لقّنوننا إياه خلال سنواتهم الاستعمارية والقرون التي نهبوا بها مقدّرات بلداننا، ودبّوا الوهن في إرادة شعوبنا، فنفتح صفحات جديدة لتاريخ جديد لا يمتّ إلى مستشرقيهم بصلة، ولا إلى المفاهيم الخادعة التي غرسوها في أذهان الناشئة عبر الجزء الأكبر من الكرة الأرضية. في هذا الزمن الفاصل يبرهن شعب مظلوم ومقهور ومحاصر في اليمن، فُرضت عليه حرب على مدى سنوات، أنه أقوى شكيمة وأشدّ بأساً ممّن يمتلكون الأسلحة والمليارات، وأنه وعلى دمه يقف مع الحقّ ومع المظلومين، ويعمل ما يُمليه عليه ضميره، حتى وإن اضطرّ أن يدفع أثماناً باهظة في سبيل احترام قناعاته ومطابقة أفعاله لأقواله.

هل يُعقل أن يأخذ أحد اليوم بمفاهيم من دفن الجرحى أحياء في باحة المستشفى بعد أن قتل الكوادر الطبية وحوّل المشافي إلى ثكنات عسكرية، واستباح طفولة الأطفال ودماءهم، والنساء الحوامل والولادات والرضّع، والأطباء والرهبان والشيوخ، وكلّ من قتل واعتقل وأرسل السلاح ودعم سياسياً وإعلامياً ومنع التوصّل إلى وقف للمجزرة، كلّهم شركاء في حرب إبادة تشكّل أكبر وصمة عار لمرتكبيها الصامتين إزاءها والمتواطئين ولو بصمتهم أو حياديتهم المدعاة على استمرارها واستمرار نزيف دماء شعب كلّ ذنبه أنه خُلق على هذه الأرض الطاهرة، وأنّه مصمّم على البقاء عليها في وجه المستوطنين الأجانب والطامعين القادمين من دول الغرب الاستعماريّ ليعيدوا تاريخ الإبادة الاستعمارية لسكّان أميركا وأستراليا الأصليين.

القوّة الحقيقية لا تكمن في امتلاك حاملات طائرات وغوّاصات نووية وقنابل محرّمة دولياً تُقطّع أوصال البشرية؛ فهذه هي الوحشية بذاتها، واستخدام هذه القوّة من وحوش بشرية، فعلاً لا قولاً، يجب أن يكون مصدر عارٍ يلاحق مستخدميها وداعميها لأجيال قادمة. فمِمَّ تخشون أيها الصامتون في دول الشرق؟ أَتخشونَ من قول كلمة حقّ ورفع الصوت عالياً في وجه قَتَلَة مجرمين، ووضعهم على الأقلّ تاريخياً وفكرياً ومفهوماتياً في الحيّز الذي يستحقّون؟!

في حمأةِ الصراع بين عالم القطب الواحد ومحاولات انبلاج عالم متعدّد الأقطاب، أراد الغرب أن يستخدم الحرب على شعب فلسطين ليُثبتَ للعالم أنه مازالت له اليد العليا في إدارة العالم؛ فزَجّ بكلّ قواه العسكرية والسياسية لدعم عدوان إجرامي إبادي مظلم على شعب أعزل، وبذلك فقد حفر الغرب قبره بيديه، وسقط سقوطاً مدوّياً، وفتح الباب على مصراعيه لنهاية حتمية وقريبة جداً لعالم القطب الأرعن والمنافق والمجرم وولادة أقطاب تُعبّر عن البشر، خلائف الله في الأرض، وتليق بمكانتهم وقدسية خلقهم، ورفعة الرسالة التي أوكلها الله لهم على هذه الأرض. ستكون دماء أطفال ونساء فلسطين شفعاء للبشرية لمرحلة قادمة يضرب الحقّ بسيفه كلّ من ظلم ونافق واستهدف حياة أخيه الإنسان، وحينها ينتصر الحقّ نصره النهائيّ، ويُزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقاً. فأسرِعوا إلى نيل شرف مؤازرة الحقّ الفلسطينيّ والوقوف الشريف والمجيد في وجه الطغيان الغربيّ والإجرام الصهيوني؛ فللتاريخ مساره وذاكرته، وللحقّ قوّته وسطوته التي سوف تحوّل الظالمين، قَتَلَةَ الأطفال، إلى ذكرى سوء تلعنه الأجيال القادمة.

أهمّ ما يمكن لكلّ امرئ أن يفعله اليوم هو أن يقف على الجانب الصحيح من التاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن أون لاين

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock