مقالات وآراء

بين الحرب على أوكرانيا والتغيير المؤجل: أيّ مفاجآت قد تحملها الانتخابات الفرنسية؟!

فكرة «حدود الديمقراطية» تبدو أحد الأسئلة الأكثر إلحاحاً عندما يتجه المواطن الفرنسي صباح اليوم إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بصوته في الدور الأول للانتخابات الرئاسية، انتخابات تبدو عملياً من الأكثر غموضاً بتحديد المرشّحين الأوفر حظّاً لخوض الدور الحاسم بعد أسبوعين، وإن كان جلّهم يمتلك لقب «ضيف شرف» بما فيهم مرشحو اليسار ما يعني انحصار المنافسة بين كل من الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، ورئيس الجبهة الوطنية ذي الميول اليمينية مارين لوبين، واليساري العتيد جان لوك ميلونشون، إلا أن الوحيد القادر على خرق هذا الثلاثي هي المرشحة الاشتراكية وعمدة باريس آن هيدالغو.

ربما ينتابك الشعور وأنت تسأل من يمتلكون حقّ التصويت، بأنّ مقاطعة هذه الانتخابات هي الفكرة الطاغية تحديداً في الدور الأول، اسلوب يتّبعه الفرنسيون كثيراً عندما ينتابهم اليأس من جلّ المرشحين، لكن الحال لا تكون كذلك في الدور الثاني تحديداً عند وجود طرف يميني متطرف، لكن حتى هذه الفكرة بدأت تضمحل، هناك فعلياً من بات يتعاطى مع عبارة «دعهم يحكمون» بالكثير من الهدوء، بالنسبة لهؤلاء يميناً أو وسطاً أو يساراً لاشيء سيتغير انطلاقاً من فرضية أن وعود السياسيين لا ضامن لها، هناك من يتذكر الرئيس السابق فرانسوا هولاند الذي لم ينفّذ من وعوده إلا إقرار قانون زواج المثليين! هل حقاً أن مارين لوبين قادرة على إخراج فرنسا من الاتحاد الأوروبي على الطريقة البريطانية؟ مع العلم أن الخروج يحتاج إلى استفتاء شعبي!

هناك من يذهب أبعد من ذلك ليتحدث عن «حدود الديمقراطية» انطلاقاً من قدرتها على تلبية ما يريد الشعب لدرجة بدا فيها بالنسبة لهم وكأنّ الديمقراطية هي الوجه الناعم للديكتاتورية، ففي الثانية ليس لديك الحق بالتعبير ولا حتى المطالبة بالحقوق لأنّ من يرفعون شعار «أنا الدولة» هم من يقررون عنك، في الأولى لك الحق بالتعبير والمطالبة بالحقوق لكن في النهاية من لا يرفعون ولو صورياً شعار «أنا الدولة» هم من يقررون عنك، النتيجة واحدة تحديداً عندما لا يتمكن أيّ إضراب أو مظاهرات أو حتى احتجاجات من تغيير فقرة في أيّ قانون أو إجراء أثار اللغط.

في سياق متّصل، دعونا نتفق بأنّ آخر ما يفكّر به الناخب الفرنسي عند الاختيار هي السياسة الخارجية للمرشح، بصراحة لا يعنيه ماذا سيفعل هذا المرشح لإنهاء الحرب في سورية ولا حتى العلاقة التي قاربت لوصف «الدونية» مع الولايات المتحدة، كل ما يهتم له الناخب هي السياسة الداخلية اقتصادياً وصحيّاً واجتماعيّاً، لكن تزامن هذه الانتخابات مع الحرب الروسية على أوكرانيا قد يكسر هذه القاعدة جزئيّاً، وقد يلعب دوراً مهماً في تجيير الأصوات لهذا المرشح أو ذاك، ليس حباً بأوكرانيا أو كرهاً بروسيا، بل لأنّ الحرب ضربت الواقع المعيشي في الكثير من الدول ومن بينها فرنسا تحديداً بما يتعلق بأسعار الوقود، بدأنا مثلاً نشهد انتشاراً لمن يدعون إلى «الاستماع لوجهتي النظر»، أي عدم تبني الرواية الأوكرانية كاملة بما يتعلق بأصل المشكلة التي نتجت عنها هذه الحرب، بل ووصل الأمر بإحدى القنوات الفرنسية الخاصة بأن عرضت فيلماً وثائقياً عن ما سمتها «طموحات بوتين» أظهر الكثير من الحقائق التي لا نراها في الرواية الرسمية من بينها مثلاً أن الروس كانوا يبيعون الغاز للأوكرانيين بأسعار مخفّضة حتى ما قبل الثورة البرتقالية، كذلك الأمر استفاقة الناتو المفاجئة على ضرورة ضم أوكرانيا إليه وحق الروس بالدفاع عن مصالحهم، وغيرها من التغيرات التي تبدو علامة فارقة في رؤية الناخب الفرنسي للسياسة الخارجية.

هذا ما تلقفه بذكاء المرشح إيمانويل ماكرون، فتراه يدافع بقوة عن فكرة استمرار التواصل مع الروس وتحديداً مع الرئيس فلاديمير بوتين، ولكي يستطيع الموازنة بين متطلبات حلفائه في الناتو وبين رغبته عدم قطع العلاقة مع الروس أطلق خلال بداية حملته الانتخابية مصطلح «الحوار الحازم»، أما مارين لوبين، فإنّ حالتها بدت أكثر صعوبة، فالقاصي والدّاني يعرف بأنها تتمتع بعلاقات جيدة مع القيادة الروسية، لكن اضطرارها لاتخاذ موقف من الحرب جعل بعض مواقفها مرتبكة تحديداً مع قيام الروس بشنّ حملات صريحة ضد «القوميين الأوكرانيين» ووصفهم بالنازيين الجدد، مع ذلك بقيت مواقفها أقلّ من الإدانة وأكثر من الهجوم، أما جان لوك ميلونشون الذي استشهدنا قبل أسابيع بتصريحه الشهير بأن الناتو هو المعتدي وليس روسيا، فقد بدا أكثر واقعية بعدم حرق أوراقه كاملةً عندما افتتح مؤتمره الانتخابي بتحية الشعب الأوكراني، لكن أوساطاً في ماكينته الانتخابية رأت أن هذه التحية لا تخرج عن كونها رسالة للجميع بأننا ضد الحرب أياً كانت، كما وقفنا ضد الحرب في سورية وأيدنا التدخل الروسي فيها، فإننا ضد أي حرب من أي نوع كانت.

في المحصلة لم يستطع أي مرشح من الثلاثي الأكثر حظاً للعبور نحو الدور الحاسم، اتخاذ موقف واضح من هذه الحرب، لا أحد يريد رفع النبرة في وجه الروس كي لا يظهر سبباً في تفاقم الأزمة الاقتصادية، ولا أحد يستطيع محاباة الروس أكثر من ذلك لأن تصريحات الأمس قد يتم صرفها في الصندوق اليوم، هي كذلك اللعبة الديمقراطية في فرنسا اليوم تبدو عملياً بلا حدود ولا ضوابط لأن الكثير من العوامل باتت تؤثر بها فماذا ينتظرنا؟

لا يمكننا كسوريين النظر إلى هذه الانتخابات بصورة محايدة أو القول إننا لا نكترث لهذه النتائج، تحديداً عندما يوجد مرشح ما يعي تماماً أن فرنسا متورطة حتى أذنيها في الدم السوري منذ عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، بالتأكيد لا نجلس لننتظر التغيير لكن علينا ببساطة أن نرحب بالتغيير إن حدث، وإن كانت استطلاعات الرأي حتى الآن تشير إلى بدهية أن التغيير ما زال مؤجّلاً، حيث أعطت الأفضلية لماكرون ثم لوبين فميلونشون، لكن حتى استطلاعات الرأي حالها حال الانتخابات، لا تبدو اليوم قادرة على إعطاء الصورة الحقيقية لخيارات الناخبين، قد يفرح ماكرون كثيراً إن حمله الناخب إلى الدور الثاني برفقة لوبين ليكون الدور الثاني تحصيل حاصل، لكن الأوراق ستختلط إن استطاع ميلونشون كسر أرقام لوبين ليكون المنافس لماكرون، هو احتمال سيجعل الدور الثاني ساخناً عندها قد يضطر كلا المرشّحين لرمي جميع الأوراق، لكن ماذا لو حدث السيناريو الثالث؟ ماذا لو تواجه ميلونشون مع لوبين وأقصي ماكرون؟ عندها سنتجاوز فكرة خلط الأوراق إلى قلب الطاولة، بل قد يكون هكذا حدث هو أحد أهم الأحداث التشريعية بتاريخ الجمهورية الخامسة، حدث بقالب التغيير الذي تحتاجه فرنسا ويعيد إليها فكرة الكاريزما التي يجب على رجل السياسة أن يتمتع بها، حدث لا يصح معه إلا عبارة: «أنا الدولة»، فهل يكون؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن أون لاين

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock