مقالات وآراء

بين «تصحيح التاريخ» وسقوط «الغرب الأخلاقي»

بقلم: فراس عزيز ديب

الدبلوماسية لا تأتي على فوهاتِ البنادق فهيَ إما سابقة للحرب أو لاحقة لها، هذا القول يأخذنا عملياً لفرضيةِ أنكَ لا تستطيع أن تحلِّلَ في الحرب ما سيحدث في السياسة، فالحرب تبدأ وتنتهي حيث يقرِّر طرفاها تحقّقَ أهدافِهما أو استسلامِ أحدهما، وما قبل هذهِ اللحظة يصبح أي تحليلٍ سياسي هو تعبئةَ سطورٍ لا أكثر.

 

منتصفَ الأسبوع الماضي استفاقَ العالم على وقعِ خطوات الجيش الروسي وهو يعلن بدءَ عمليةٍ عسكرية في أوكرانيا، بدَت أهدافها معلنة ولا تحتاج أساساً إلى تحليل، تبدأ بحمايةِ المدنيين الروس في كل من لوغانسك ودونيستك، مروراً بعزلِ وتحجيم نظام «المهرج» فولوديمير زيلينسكي الذي بدا واضحاً بأنهُ يقود أوكرانيا نحو الخراب، وصولاً إلى تحجيم طموحات الناتو في الجهة الشرقية للقارة، ولن ندخلَ هنا بتفاصيل ما ستؤول إليه هذه الحرب وإن كان الجيش الروسي قد قالَ كلمته بعمليةٍ خاطفة بأقل استخدامٍ للقوة، لكن دعونا ننظر إلى هذه الحرب من منظورٍ آخر أكثر أهمية، كلمةَ المفتاح فيه هي عبارة أوردها الرئيس بشار الأسد خلال المكالمة التي أجراها مع الرئيس فلاديمير بوتين حيث قال: «روسيا اليوم لا تُدافع عن نفسها فقط وإنما عن العالم وعن مبادئ العدل والإنسانية»، ليصبح السؤال المنطقي: إلى متى يستطيع الغرب المتاجرة بالقيَم الإنسانية واحترام العلاقات الدولية؟

 

عندما وقَع الغزو الروسي لجورجيا في عام 2008 كان الغرب يريد التحرش بالروس للاستفادة من فكرة تراجع فلاديمير بوتين نحو مركز رئيس الوزراء بعد وصول ديمتري ميدفيديف إلى الرئاسة عبر انتخاباتٍ تشريعية، كانت روسيا وقتها بالكاد قد نهضت، وكان الرئيس بوتين مؤسِّس نهضتها الأخيرة يُعيد بعقلٍ بارد وضع روسيا في مكانها الصحيح، لكنها فعلياً فشلت يومها بتسويق حربها، هنا قد لا نضع اللوم على جهاز الدعاية الروسي لأن أي متابع يعرف حجم الدعاية التي استهدف ولا تزال ما يسمونه «النظام الروسي» في الغرب، في نشرات الأخبار والمناهج الجامعية إلى الوثائقيات، الدعاية وصلت حتى جدران محطات الميترو، لدرجةٍ تشعر فيها بأن الغرب أرادَ أن يزرع في ذهنِ حتى العامل البسيط الذي لا يعرف عن السياسة شيئاً ويستقل الميترو، بأن صاحب هذهِ الصورة وكل من معه هم ديكتاتوريون ومجرمون!

 

اليوم لا يبدو وكأن الوضعَ كذلك، وبمعنى آخر، إن كان الغرب قد وصل بالدعايةِ ضد القيادة الروسية حدَّ الإشباع، فإن القيادة الروسية بدأت اليوم تجني أصواتاً متوافقة مع نظرتها لما يجري، الفرق فقط بأن الطرف الأول دفع الكثير لكي يبني هذه البرباغندا، أما الجانب الروسي فهو لم يُتعب نفسه بمحاولةِ استمالة الرأي الشعبي في الغرب، أفعاله هي من وضعت الأمور في نصابها الصحيح، فلُخِّصَ الأمر بعبارةٍ بسيطة: الشعوب الأوروبية ليست جاهزة لأي حرب جديدة.

 

عبارة يمكن لك أن تستشفَّها في أحاديثِ الأجداد لأحفادِهم، يمكنك أن تقرأَها بقصماتِ وجه رجلٍ عجوز يقف عندَ صورةٍ لجسرِ «لوديندورف» الذي كانَ آخر جسرٍ سليم فوق نهر الراين قرب «بون» قبلَ أن يقومَ الحلفاء بتفجيره لتسهيل مهمتهم، أو جسرَ «ويلسون» على نهر «اللوار» في إحدى مقاطعات الوسط الفرنسي الذي دمرته القوات النازية لقطع أوصال الوسط عن الجنوب متسائلاً: هل سيتم تدميرهم مرة ثانية؟

 

يعرف الجميع بأن ما دفعته الدول الأوروبية ثمناً للحروب، هو أكبر بكثير مما دفعته أي منطقة جغرافية أخرى، هناك من يرى بأن تِكرار هذا السيناريو يبدو كابوساً لا يُطاق، ليسَ فقط بسبب تحول الحرب اليوم إلى حرب تكنولوجية أكثر شراسة وأكثر ضرراً على حياة المواطن العادي، لكنها بذات الوقت حرب لا تأتي كما سابقاتها كنتيجة لتوتراتٍ وعدمَ توازن أو غياب للأمن عاشته أوروبا، بل من خلالِ بحبوحة اقتصادية وأمن وسلام نسيَ فيها المواطن حتى شكل البندقية التي سيحارب بها. هذه الأمور شكَّلت عند الكثير من المواطنين الأوروبيين نوعاً من الحياد تجاه ما يجري، أضف إليه فكرةَ عدم الارتياح لأن يدفع الأوروبيون ثمن حربٍ لم يختاروها مقابلَ أن يتمتع الأميركي بالسلطة المطلقة داخل أوروبا وخارجها.

 

ما أفصحها.. عندما تتحدث عن العفة: بذكرياتِ غزو العراق وتدميرهِ وقتلَ وتهجير ملايين العراقيين، عدا نواتج استخدام الأسلحة المحرَّمة التي يدفع ثمنها العراقيون حتى الآن، وصولاً إلى تشكيلِ تحالفٍ غير قانوني لغزو سورية بمسمى «الحرب على داعش» ودعمَ الانفصاليين فيها، وغيرها من الجرائم التي لا يتسع لها مكان هنا، قرَّرَ الأميركيون والبريطانيون تذكير الروس بالشرعية الدولية! أينَ كانت الشرعية الدولية عندما ذهبت فرنسا إلى مالي؟!

 

تبدو الأسطوانات التي يكرِّرها الغرب، كالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مثيرة للسخرية، فمن يرد التحدث بدافع الغيرة على هذهِ الثوابت فعليهِ تطبيقها. هذا الكلام لا يعني أبداً أننا سنشجع الجميع على الخروج عن القانون الدولي، لكن بالمطلق فإن الروس لم يدَّعوا بأنهم ذاهبون إلى أوكرانيا لجلب الديمقراطية والدواء والغذاء للشعب الأوكراني، هم لم يعبروا القارات ليهاجموا بلداً آمناً، إنما ببساطة هم دافعوا عن شعبهم لا أكثر ولا أقل.

 

سياسة الكيل بمكيالين هذه هي من تسببت بكل هذا الدمار في العالم، ففي الدول الأوروبية قد يقودك حمل كتاب «كفاحي» لأدولف هتلر إلى السجن، قد تقودك مزحة بسيطة ترفع بها يدكَ على الطريقة الهتلرية إلى الطرد من عملك، لكن أن تكونَ نازياً جديداً ضد روسيا، فأنت حليف سندعمك بكل ما أوتينا من كلام على طريقة الجامعة العربية، سندعمك ونسميك مقاتلاً من أجل الحرية كما سمينا تنظيم «جبهة النصرة» الإرهابي في سورية المصنف عبر مجلس الأمن بالجماعة الإرهابية، لكننا تمنينا لو أن المجتمع الأوكراني يمتلك مفتيَّاً كمفتي الناتو يوسف القرضاوي ليفتي بجواز قتل ثلث الأوكرانيين ليحيا الثلثان، ترى إذا عادَ السيد المسيح على الطريقة القرضاوية هل كان سيتحالف مع الناتو؟!

 

الدعم لا يأتي بالصراخ، فحتى الآن وباعتراف الأوكرانيين أنفسهم فإن الدعم الغربي لا يتجاوز التصريحات، لكن حتى التصريحات الغربية لدعم أوكرانيا لم تأتِ على مصطلحات شاملة تأخذ أكثر من احتمال ولو من باب التسويق الإعلامي، فوسائل إعلام فرنسية مثلاً تحدثت في عاجلٍ لها بالأمس عن قرارٍ بإرسال قوات فرنسية إلى كييف، بالكاد خرج هذا العاجل تم تصحيحه وإضافة عبارة «لحمايةِ السفارة الفرنسية»، ومن قال أساساً إن الروس جاؤوا ليقتحموا مبنى سفارة؟! هذه مجرد عينة عن الطريقة التي ينظر فيها الغرب للحرب بعد أن تقع.

 

أما الحديث عن العقوبات فهو عملياً استهدفَ كل مكامِن القوة الروسية لكن بالوقت ذاته يجب الالتفات إلى أمرين:

 

الأمر الأول، إن الروس وباعترافهم كانوا يعلمون ويجهزون العدة لما يجري، حتى كلام البنك المركزي الروسي واضح وصريح بأنهم جاهزون لدفع كل الودائع، بالسياق ذاته فإن الرد الروسي كان واضحاً بأن القيادات العليا لا تمتلك حسابات مصرفية في الخارج، هي تماماً كقيام الأميركي بتقييد الحسابات المصرفية للرئيس بشار الأسد، هم يعلمون قبل غيرهم أنه لا يملكها لكنه ببساطة بيع للمواقف.

 

الأمر الثاني هو أن هذه العقوبات تمثل إخفاق من حمل لواءها بجعلها تشمل نظام سويفت العالمي بعد معارضةِ ألمانية لذلك، المعارضة الألمانية بدت محقة لأن هذا النظام كان أسلوباً لتجاوز العقوبات الأميركية على عمليات بيع وشراء الغاز الروسي، هذا يعني بأن أوروبا جاهزة لأي شيء إلا قطع الغاز الروسي، علماً أن تصريحات وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لوميير جاءت مخالفة لهذا التوجه حيث قال حرفياً إن هدفنا قطع كافة الروابط بين روسيا والنظام المالي العالمي، هل يتحمل الأوروبيون فعلياً فكرة التخلص من الاعتماد على الغاز الروسي؟! كذبة صدّقها الحمقى!

 

في الخلاصة لا أحد يريد الحرب، لكن الحروب عادةً ما تكون بداية لما هو أفضل وليس العكس، ومن ميزات هذه الحرب أنها فعلياً أعادت تعريةَ ما يسمى القيم الغربية وطريقةَ تحولها إلى تاجرٍ حتى بأرواح الأبرياء، فهنا سقطت كل المفاهيم والمعايير المزدوجة بعد أن كانت ساحةَ إسقاطها الأولى هي سورية، وهنا قد يدرك البعض ممن كانوا يسخرون من فرضية أن الحرب التي شُنَّت على سورية لم تكن إلا استكمالاً لأحجار الدومينو، سقوط الغرب الأخلاقي في سورية جعلهم يستسهلون الفعل، لكن هذه المرة ومع خصمٍ بحجم روسيا، تبدو عملية تعريتها أسهل؛ ليس عن عبث أن يقول الرئيس الأسد في مكالمته مع الرئيس فلاديمير بوتين إن هذه الحرب «تصحيحٌ للتاريخ وإعادة للتوازن إلى العالم»، ربما أن إعادة التوازن بدأت إلى غيرِ رجعة، أما تصحيح التاريخ فهو فيما يبدو سيكون أبعدَ من الخطأ الأوكراني!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن أون لاين

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock