مقالات وآراء

بين ذكرى النكسة والنكسات.. هل مازال بالإمكان إزالة إسرائيل؟

بقلم: فراس عزيز ديب

منذُ أن ضحكَ الغرب على العرب في أروقةِ مجلس الأمن وجعلوهم يتوهون في نصِّ القرار الأممي الذي يطالب الكيان الصهيوني بالانسحاب من «أراضٍ عربية احتلتها بعد الخامس من حزيران» وليس «الأراضي العربية التي احتلتها بعد الخامس من حزيران» فإن أسوأ ما أسَّس لهُ هذا التاريخ ليسَ مجردَ احتلال للأرض، بقدرِ ما هو احتلال الإرادة والعقول، النكسة الأهم أن يصبح لدينا مشاريع متضاربة حتى بما يتعلق بالثوابت والحقوق، لدرجةٍ بات لدينا من يخجل حتى من الكتابةِ عن الثوابت والحقوق، ألهذا الحد أنهكتنا النكسات؟

علينا التمييز بين الفكرة والدفاع عنها، الأفكار الجميلة لا يعيبها سوء الدفاع عنها والحقوق الأصيلة لا يشوهها كثرةَ المتاجرين بها، من هنا نستطيع أن نفهم فكرةَ أن الحديث عن الخامس من حزيران بات استثناء، هذا منطقي من زاويةِ أننا إن أردنا أن نعدِّدَ ما عاشه هذا الشرق من نكسات فسيكون الخامس من حزيران هو جزء من الأحداث التي دمرت هذا الشرق وليس المسؤول الأول، لكن ما ليسَ منطقياً أن يكون تجاهل الحدث مرتبطاً بالخوف من الاتهامات باللغة الخشبية التي يتعاطَى بها كل من مازال يرى البوصلة في الاتجاه الصحيح.

دائماً ما يبدو الصراع بين جوهر الفكرة وآليات تطبيقها كالميزان الذي يدفع البعض للاستمرار من عدمه بتبني هذه الأفكار، العقيدة الوطنية هي كما العقيدة الدينية، لا دين يدعو للقتل والإجرام ولكن هناك من فسر الدين بالطريقة الذي تجعله يحقق طموحاته عبر الدين، هنا علينا ألا نلوم العقيدة الدينية بل من أساؤوا تفسيرها، بذات السياق لا يمكنك أن تلوم مقاوماً يرى أرضه المحتلة وعدوه الذي ينبش حتى قبور الشهداء بداعي أن هناكَ من باع هذه القضية فلماذا علي التمسك بها، وهل القضية هي حيز مكاني أو خلاف شخصي؟ لكي نضع حداً لهذا الجدال فإذا كانت لغة الحقوق والعدو والبوصلة هي تعابير خشبية عند من يرفضها ويراها من خارج العصر، ليتفضل من يرى بنفسه يحدثنا بلغةٍ عصرية ويجيبنا عن السؤال الجوهري: لا تقل لي ماذا فعلَ الفكر المقاوم الذي بقيت الدولة السورية بقيادتها وشعبها وجيشها وحدهم يجسدونه حتى اليوم، بل قل لنا ماذا لو لم يكن موجوداً؟

لم يكن الحديث عن شرعيةِ وجود الكيان من عدمه يوماً حديثاً للاستهلاك السياسي، أو أشبهَ بسهرةِ سمرٍ على طريقةِ الراحل سعد اللـه ونوس للتخفيفِ من آثار الهزيمة، هذا الحديث لهُ أسس استند إليها يمكننا تلخيصها بالتالي:

أولاً: في الروايةِ الدينية التي تجاهلها كثر تحديداً أولئك الذين يشنون ليلَ نهارٍ هجماتٍ مشبوهة على الدين الإسلامي وربطَ كل مآسينا بالإرهاب الناتج عن المتأسلمين، ويتجاهلون بالأساس أن دولة مسخ قامت على الاستثمار بالفكرة الدينية، فإن الخوف من الطريقة التي قد تزول بها إسرائيل هو ما يجعل كثر بالأساس ضد قيام دولة لليهود في إسرائيل، هؤلاء يهود ملتزمون دينياً بعضهم حاخامات يرون بأن قيام دولة إسرائيل هو «شر على اليهودِ في العالم»، هناك من ذهبَ أبعدَ من ذلك للتظاهر في الولايات المتحدة للمطالبة بوقف التبرع لدولة الاحتلال، هؤلاء وغيرهم من رجال الدين اليهودي يرون بأن اليهود أبرياء تماماً من إنشاء هذا الكيان بل إن إنشاءه كان بجهود «اليمين المسيحي المتطرف» الذي يرى بأن وجود دولة إسرائيل سيعجل بوصول يوم القيامة!

هذه الأفكار الشيطانية بالمناسبة موجودة في الكثير من العقائد المرتبطة بنهاية العالم ووصول المخلص، وقذارةَ المتاجرة بها لا تختلف بين دين أو عقيدة أو مذهب لأنها بالأساس متاجرة بالدين على حسابِ عقول الأبرياء.

ثانياً: القوة لا تصنع كل شيء، وقد نتفق مع الذين يسخرون من فكرةِ «زوال إسرائيل» بالقوة تحديداً، عندما يتحول هذا الشعار إلى مادة للمتاجرة غب الطلب عند من يدَّعون حملَ راية القدس، فالاعتراف بفائض القوة الذي يتمتع به الكيان الصهيوني والناتج عن الدعم اللامحدود من الدول الكبرى التي تقدم نفسها كراعٍ للديمقراطيات ليس دليل ضعف بقدرِ ما هو دراسة للإمكانات والتصرف بموجبها، قد يجعل المعركة بينه وبين سورية والحركات المقاومة أقرب للردع لا للحسم، مع اللعب على فكرةِ هشاشة الكيان الصهيوني من الداخل، فالديمقراطية لا تكفي لتحصينِ المجتمعات كما يعتقد البعض لسنا نحن من يقول هذا الكلام، سياق الأحداث هو ما يوحي لنا بالكثير فكيف ذلك؟

منذ سقوط رئيس وزراء العدو السابق بنيامين نتنياهو هناك من اعتبرَ أن إبعاد هذا المجرم عن الساحة السياسية في الكيان الصهيوني هو أشبه بالاستعجال بزوال الكيان، اليوم يقول رئيس الوزراء الحالي نفتالي بينيت بأن الكيان الصهيوني أمام خطر الانفجار داخلياً معتبرين بأن ما يقوم به نتنياهو أشبه بالسعي لبثِّ الفوضى، على هذا الأساس باتت فكرة الصراع الداخلي في الكيان حقيقة ولم تعد مجردَ أمنيات، هناك من يتعاطَى مع الهشاشة من الداخل بطرحِ سؤالٍ بسيط: كم عدد اليهود في العالم وكم عدد من قبل الهجرة؟ ولو استطردنا أكثر لقلنا وكم عدد الذين اضطروا للهجرة إلى فلسطين المحتلة، هل جاءَ ذاك الإثيوبي الذي أطلق النار على الشهداء الفلسطينيين هرباً من الفقر أم طمعاً بالجنة؟!

ثالثاً: إسرائيل مجردَ نكتة، وهذا الكلام لم يقل في اجتماعٍ حزبي لتلك التي تتبنى العقيدة المقاومة، هذا الكلام قاله قبل أيام مؤرخٌ إسرائيلي وعبر الصحافة الإسرائيلية، كلامه لخّص الفكرتين السابقتين عندما اعتبر أن العنف لن يحمي الكيان الصهيوني وكلما ازداد التمسك بالرواية الدينية عجلَ ذلك بزوال الكيان الصهيوني.

هذا الكلام يستحق الوقوف عنده، لستُ من الذين يعشقون أسلوب إبر التخدير، ولستُ كذلك الأمر، من الذين يمعنون في التحليق بالأمنيات، لكن كل ما نطلبه فقط أن يسير كل حديثٍ عن الحال الذي وصلَ إليه العرب من تشرذمٍ وضياع بشكلٍ متوازٍ مع الحال والظروف الذي وصلَ إليه حال الكيان ودوره الوظيفي، هل بات الكيان عبئاً؟ كيفَ لا يكون كذلك وقد فشلت كل اتفاقيات السلام والمعاهدات من تأمين الحماية له؟ بذات السياق كيف لا يكون عبئاً على من يظنهُ قدراً وقد فشلت كل اتفاقيات السلام معه من جعله شريكاً بالسلمِ والرخاء في هذا الشرق، هل لنا أن ننظر لحال من يهادنونه منذ عقود؟

لسنا بأفضل حالٍ نعترف، هناك من حوّل الكثير من الشعارات إلى مادة للمتاجرة نتفق، لكن ما يميزنا بأننا نرى الواقعية بما لنا وما علينا، على هذا الأساس لا يبدو بعدَ اليوم الحديث عن زوال الكيان الصهيوني ضرباً من الخيال بلسانهم، لكن عندما يحدث ويبدأ هذا الكيان بالتصدع تذكروا فقط بأن جيشاً وحيداً في هذا العالم بقي يحمل تلك العقيدة المتمسكة بالحقوق، إنه الجيش العربي السوري والباقي من حوله، تفاصيل.

في ذكرى الخامس من حزيران لا لن أخجلَ بأني جزء من هذه الأمة التي انكسرت، لكني أثق بقيامتها ولو بعدَ حين!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن أون لاين

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock