مقالات وآراء

تحد جديد.. ورسالة جديدة

بقلم: وضاح عبد ربه

منتصف عام 2011 وبعد اندلاع الأحداث في سورية وحين كانت السفارات الغربية لا تزال موجودة بدمشق، التقيت صدفة في أحد مطاعم دمشق بسفير غربي لم يكن يؤمن بأن ما يحصل في سورية كان «ثورة»، حيث كان يرسل تقارير إلى عاصمته تؤكد تزييف الأخبار التي تبثها قنوات إعلامية، ليأتيه الرد بأن يلتزم بالتعليمات وأن يتجنب التعليق على ما يحدث!!.

هذا السفير حدثني آنذاك قائلاً: الخوف على الاقتصاد!! فكل رجال الأعمال الذين ألتقيهم يؤكدون لي أن اقتصاد سورية سينهار بعد ستة أشهر كحد أقصى وبالتالي لا يمكن للدولة أن تستمر!.

كان للسفراء الغربيين علاقات مميزة مع رجال الاقتصاد السوري، وكثير من معلوماتهم كانت تستند إلى أحاديث وحوارات مع هؤلاء الذين في غالبيتهم كانوا أول من غادر سورية لحماية أموالهم تحت تهديد العقوبات التي كانوا يتلقون التحذير منها من السفراء ذاتهم، بهدف دفع الاقتصاد نحو مزيد من الانهيار وبسرعة قصوى!.

كان السفراء يبحثون في ذلك العام عن مبرر لعدم تحرك ما يسمونه «البرجوازية» الدمشقية والحلبية، ورجالات كبرى المدن السورية، وامتناعهم عن المشاركة في الاحتجاجات أو على أقل تقدير تمويلها. وكانوا يبحثون عن أسماء يمكن أن تكون رائدة لتسلّم قيادة «الثورة» ودعمها وتبنيها.

بحثوا مطولاً ولم يجدوا من ينضم إلى مشروعهم، وأذكر كم كانت تحركات السفراء غريبة ومريبة في دمشق وحلب وحماة وحمص، وعدد من المدن السورية، بحثاً عن «رواد» لقيادة ثورة لا أساس لها، وكل من أوجدوهم كانوا مما يسمى اليسار المتطرف أو من الشيوعيين السابقين، وبعض الشباب المتحمس الذي كان يتابع ما حصل في تونس ومصر، ويجمع ويحصد «اللايكات الفيسبوكية» دون أن يكون أي منهم رائداً أو معروفاً في مجتمعه.

ولسخرية القدر، ومن المشاهد السريالية ربما للحرب على سورية، كيف رأينا وشاهدنا هؤلاء يضعون يدهم بيد التنظيمات الراديكالية والإرهابية، ويثّمنون عملها وإجرامها، رافضين حتى إدانة المجازر التي ارتكبت باسم «الثورة» وهؤلاء لا يزالون حتى الآن، يشرّعون الإرهاب والاحتلال التركي والأميركي لأراضي سورية، ناسين أو متناسين جذورهم وهويتهم التي باتت رهينة لدى جهاز استخباراتي غربي منحهم إقامة خارج سوريتهم التي لم تعد تعنيهم!.

تزامنت تحركات السفارات مع زيارات لوفود تركية وقطرية إلى دمشق لتقديم «المشورة» والتي كانت تتلخص بإجراء إصلاحات دستورية وفتح الباب أمام التنظيمات الإسلامية لتتسلّم المناصب وقطع العلاقات مع إيران وأحزاب المقاومة، وأن ذلك كفيل بوضع حدٍّ للاحتجاجات وإنهاء الأزمة.

رفض الرئيس الأسد «مشورة» من كانوا حليفيه آنذاك، وبقي على مواقفه المعروفة الداعمة لحركات المقاومة، رافضاً إغراءات واشنطن وعملائها في المنطقة، فكان قارئاً بارعاً لما كان التركي والقطري يحاولان الحصول عليه من خلال دعمهما لتلك الاحتجاجات وتمويلها.

وربما من المفيد العودة إلى عام واحد قبل اندلاع الحرب على سورية، حيث دعا حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب أردوغان الرئيس الأسد إلى مأدبة إفطار رمضانية في إسطنبول، وكان لي الشرف بالوجود ضمن الوفد الإعلامي المرافق للسيد الرئيس، وعند وصولنا إسطنبول التي كانت تزينت بالأعلام السورية إلى جانب التركية، ومع اقترابنا إلى فندق ذي نجوم خمسة حيث ستقام مأدبة الإفطار بدأت صور الرئيس الأسد تملأ الشوارع وعواميد الإنارة، وعلمنا فيما بعد أن هدف الإفطار الذي دعي إليه قرابة ألف عضو من حزب العدالة والتنمية، كان فقط للطلب من الرئيس الأسد العفو عن مجموعة من الأسماء التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين ليعودوا إلى سورية، وكان جواب الأسد في الإفطار ذاته ودون تردد: من لَم يشارك في سفك الدماء السورية بإمكانه تسوية وضعه، أما من شارك في قتل السوريين، فعليه أن يواجه القضاء، ولا استثناءات في ذلك. وطبعاً كل من كان يقصدهم أردوغان في ذاك الإفطار هم من كبار مجرمي التنظيم الإخواني.

عندما عجز الغرب عن إيجاد مطيّة لمشروعه، أغلق السفارات وقرّر اللجوء إلى الحل العسكري وإرسال عشرات الآلاف من الإرهابيين إلى سورية لقتال الجيش العربي السوري الذي لم يتردد للحظة واحدة في الدفاع عن وطنه معبراً عن قيم المواطنة وقيم شعاره «وطن شرف إخلاص».

أمام ما كان يراه الرئيس الأسد ولم يقرأه كثيرون، كان قرار خوض المعركة التي تحولت فيما بعد إلى حرب شاركت فيها عشرات الدول.

لم يكن لأحد من السفراء ورؤساء الدول والوزراء أن يتوقع صلابة الرئيس الأسد، ولا قدرته على قيادة الحرب العسكرية والاقتصادية، حيث لم ينهر الاقتصاد السوري بعد الأشهر الستة كما كان متوقعاً، وبقي صامداً عشر سنوات لم ينقطع فيها راتب موظف واحد في سورية طوال فترة الأحداث، ولم يعلن أي مصرف إفلاسه ولم تغلق أي مؤسسة أبوابها على الرغم من الحرب الاقتصادية وسياسة العقوبات التي رافقت الحرب العسكرية.

صمد الرئيس الأسد، وصمد معه شعبه الذي قرأ مبكراً أيضاً ما كان يحاك لسورية، فلم يكن من خيار أمام كل السوريين سوى الانتصار على الرغم من الأثمان الباهظة التي ستنتج عن الحربين العسكرية والاقتصادية، وصعوبة المعيشة، لكنهم بقوا مؤمنين بأن ثمن الصمود يبقى أقل بكثير من ثمن الاستسلام، أو الهزيمة.

بقي السوريون خلف قيادتهم، يؤيدون رئيسهم وسط دهشة الغرب الذي كان ولا يزال يراهن على أن الشعب من خلال تجويعه وحصاره ومنع النفط والكهرباء عنه، وذلّه على أبواب السفارات وفي قوارب الموت لا بد وأن ينتفض، في اعتراف ضمني غير معلن بأن من كان «ينتفض» في 2011 لم يكونوا سوى مجموعات قليلة غالبيتهم موجهة من قبل قوى أصولية أو دول عربية وجاءت اعترافات حمد بن جاسم وزير خارجية قطر بعد عدة أعوام من الحرب لتؤكد أن كل ما حصل في سورية كان ممولاً من دولته أولاً ومدعوماً من دول ثانية، وأنهم أخفقوا في إسقاط الدولة السورية.

اليوم نحتاج إلى صفحات وصفحات لتدوين ما خطّط لسورية وكيف تم إخفاقه بحنكة وذكاء وحزم قل نظيرها، ولا بد للتاريخ من أن يسجل كل هذه الأحداث لنرويها مستقبلاً للأجيال ليتعرفوا على بطولة آبائهم وأجدادهم الذين رفضوا يوماً الخنوع أو الخضوع إلا لله عز وجل، لكن نحن اليوم أيضاً أمام تحدٍّ جديد، يتمثل في التأكيد مجدّداً على وقوف السوريين مع قائدهم الذي بات زعيماً تروى بطولاته وصلابته ووقوفه في مواجهة كبرى الدول العظمى رافضاً إملاءاتها ومشاريعها وكل محاولات تقسيم سورية وتدميرها..

تحد يجعلنا نسعى لإيصال رسالتنا لكل دول العالم، بأن سورية لا يمكن أن يحكمها ضعفاء ولا مرهونين ولا هواة، سورية يحكمها فقط قائد صلب قادر على تحقيق مصلحة بلاده وشعبه.. قائد وَفِيٌّ لكل قطرة دم سورية سقطت دفاعاً عن كرامة وكبرياء كل مواطن سوري وعربي.. إنه القائد الزعيم بشار الأسد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن أون لاين

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock