منوعات

حياة أسبر لـ «الوطن»: جملة ألبير حرب بأنني أشبهه عندما كان بنفس عمري أعطتني الثقة بأن أحساسي تجاه الشعر كان صحيحاً

من حياة، هي كلمات، تصوغها وتنسّقها، لتنسجم مع أرق وأعذب النغمات، فمنذ طفولتها وهي بعمر نديّ غض، وبدلاً من أن تكون مثل من في سنها تلعب بالدمى والألعاب، هي فضّلت لعبة أخرى، وجدت فيها طموحها وشخصيتها رغم عدم علمها إلامَ كان شغفها يشدّها، فمن جمع الحروف وتركيبها، كان لها المقدرة على مزج المشاعر والأحاسيس كي تصوغ حروفاً لكلمات الحياة. إنها الشاعرة حياة إسبر التي تحتضن نفسها بمشاعرها وأحاسيسها وأفكارها وتحملها كلّها لتلوذ بالصمت غير سامحة لأحد بالتطفل عليه، فهي تعشق قدس الصمت، الذي تترجمه عندما تشعر بأن الوقت قد حان، كي ينطلق لسانها بجمل شعرية وقصائد هي الأجمل والأقرب لنا، وكأنها تجلس في عقولنا أو في قلوبنا، وتعلم بحالنا، فكيف لا وهي في الأساس ومن البداية وحتى النهاية واحدة منا. إذاً اختارت وطوّعت الوتر كي يرّق لكلام شعرها، وأن تليّن بحروفها الكلمة مهما كانت رصينة وقوية أو حتى حاسمة، هي من القلائل الذين لا يهتمون بالأضواء ولا يُعيرون الشهرة بالاً، لأن رهانها قائم على أرض الواقع بما تبذله من مجهود، وبالمحصلة هي من تكسبه، هذا ليس كلامي بل هو الواقع، فمن منا لا يردد أغنيات هي من تأليفها، منها وعلى سبيل الذكر لا الحصر:سوريتي هويتي، محلاكي، مليون بحبك، كلو كذب، لعيونك، خليني ببالك، تجاوزتِ حدودك، على أي أساس، حلم بضلّ، يا بنيّة، ما بوثق فيها، محتاجة علاقة، مبروك عليكِ، ما بتاخد غلوة، يا سورية، شارة مسلسل الغربال.
«الوطن» التقت الشاعرة حياة إسبر وإليكم الحوار:

متى بدأت مشوار الكلمة.. بأي عمر.. ومن كان المشجع لك؟
بدأت بكتابة الخواطر والنثريات والقصص القصيرة، وأنا في الثاني الابتدائي، أي بعمر ثماني سنوات تقريبا، في ذلك الوقت كان أهلي يشجعونني وكذلك أخوالي وخالاتي، وكنت بدأت بكتابة شعر الفصحى الذي بدأ يسيطر على مخي وتفكيري وأنا في صف الخامس، في تلك الأثناء كان عندي هاجس أن أفهم كيف تُكتب الأغنية، ولم يكن في ذلك الوقت أي نوع من الاتصالات الالكترونية الموجودة في الوقت الحالي، سواء أكانت من واتس أب أم مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك، كما أنه كان من الصعب أن يصل المرء إلى أي شخص كي يحصل على المعلومة، أو يجد من يقوم بإرشاده أو بتوجيه أو حتى مساعدته، هذا الأمر دفعني إلى التفكير في الأغاني نفسها من خلال الاستماع إليها، فكنت أستمع للأغنية وأنا أحاول اكتشاف الخطوط العريضة التي يمكن للمرء أن يعتمد عليها في كتابتها، وهنا بدأت المحاولات بالكتابة، ولكن لم أمتلك الجرأة على كتابة الأغنية بالتحديد، فالمحاولات بدأت بالعتابات والمواويل، وكان هذا عندما كنت في الصف السابع، بعدها بعام تجرأت على كتابة المواويل وأيضاً تجرأت على كتابة الأغنية، ولكن لم أسمعها إلى أحد، لأنني لم أكن مدركة إلى أي درجة هي أغنية صحيحة من حيث قواعد كتابتها، أو لربما وفي حينها كنت خائفة من أنها قد لا تكون أغنية جميلة.

كيف انتقلت من الشعر المحكي إلى الشعر الغنائي؟
بعدها بسنوات وأنا في صف البكالوريا، وإذ بباب المنزل يُطرق، وأفاجأ بالشاعر ألبير حرب، وكان قدِم من لبنان من أجلي، والمفاجئ بالأمر أنه لم يكن هناك سابق معرفة شخصية بيننا وبينه، وبالطبع ألبير حرب كان آخذاً على عاتقه رسالة الشعر، فلقد كان يشجّع من يكتب شعراً جيداً، وإذا صادف شخصاً لا يكتب الشعر بالشكل الجيد، كان يصارحه بأنه غير جدير بذلك، لأنه يعتبر بأنه لا يجوز لأي كان أن يكتب الشعر، بل على من يكتبه أن يكون متمتعاً وممتلكاً للموهبة. وبالنسبة لي، جاء كي يرى إذا كنت أمتلك الموهبة أم لا، والأمر الذي أذهلني حينها كيف سمع بأمري أو بما أكتبه، وبالطبع دخل المنزل وطلب أن أُسمعه من شعري، وهذا ما حصل، فقمت بإسماعه ما كنت قد كتبته من مواويل وأغانٍ ومن شعر فصحى، وأتذكر أنه وقف وهنأ والدي مصافحاً ومقبلاً وقال له «حياة ذكرتني بألبير حرب عندما كان بعمرها، عندما كان ألبير في عمر الثمانية عشر ربيعا». طبعا كانت فرحتي جداً كبيرة في هذه الجملة، لأنها أعطتني الكثير من الثقة والكثير من الفرح، فأنا أحب الشعر كثيرا، وكان عندي إحساس داخلي تجاه الشعر وسعادتي أكبر لأن إحساسي صحيح.

هل الكلمة في الشعر الغنائي قادرة على الوصول بطريقة أسرع من شعر الفصحى؟
عند زيارة ألبير حرب ليّ، نصحني بأن آخذ خطاً بما يخص الشعر المحكي وأن أبتعد عن الفصحى، على الرغم من أن شعر الفصحى شائع جداً وله أرشيف وتراث قديم جدا، ولكن كانت نصيحته لي لسببين، الأول لأن الشعر المحكي هو الأقرب لقلوب الناس في الوقت الراهن وفي العصر الذي نحن فيه، والثاني كي يكون لي خصوصية وبصمة مختلفة. وبالفعل أحببت النصيحة وعملت بها، وهنا بدأت مرحلة جديدة، لأنه كان واضعاً اسمي في أمسية في المركز الثقافي، وطلب مني أن أحضّر لها جيدا، وهذا ما حصل وكنت أصغر المشاركين، وبعدها شاركت بمهرجان اللاذقية في الذاكرة، وبعدة أمسيات في المركز الثقافي، وفيما بعد أصبحت الأغاني هي من كرّست لها وقتي أكثر من الشعر غير المغنّى.
وهنا أعود للسؤال، بالطبع الكلمة في الشعر الغنائي هي الأسرع، لأنها تمثل اللهجة الحياتية واللهجة اليومية، ولكن رغم وصولها الأسرع، هذا لا يقلل أبدا من وقع اللغة الفصحى، التي يبقى لها أهميتها ومكانتها الكبيرة، ولها إحساسها الخاص.

إلى أي مدى ساهمت الأغنية في التعريف بالشاعرة حياة إسبر؟
الأغنية في الوقت الحالي هي أكثر وسيلة أو لنقل هي الوسيلة الأسرع في انتشار الشاعر أكثر من طبع الدواوين، لأنه للأسف خفّت نسبة الناس الذين يعتمدون في ثقافتهم على القراءة أو تذوق الشعر، وحتى خفت نسبة الناس الذين يقرؤون. بالمقابل الأغنية موجودة، ولا أعتقد أن هناك شخصاً بعيداً عن الأغنية سواء في المنزل أو في السيارة، فالأغنية حاضرة في الراديو والتلفزيون، وأنا على يقين أن الأغنية هي الأسرع في الانتشار.

تميزتِ بأسلوب شعري غنائي قريب للقلوب ومرغوب من كل الشرائح.. هل من الممكن أن نسمع أغنية من شعرك بالفصحى؟
ممكن كثيرا، فهذا أمر ليس بغريب عني وخاصة كما ذكرت أنني في طفولتي كنت بدأت بتأليف شعر الفصحى، ولا أخفي أنني حتى هذا الوقت وبين الحين والأخر، أقوم بتأليف شعر بالفصحى، ولو أن هذه الحالة قليلة أو نادرة، ولكنها حاضرة ومطروقة، إذاً الفكرة واردة.

هناك هجوم على الأغنية الشعبية وفي كثير من الأماكن تُتهم بالهبوط.. ما رأيك؟
الأغنية الشعبية هي لون مثل أي لون، فمثلما للطيف ألوانه السبعة، كذلك كل شيء في الحياة له أنواع وأصناف، وأمر طبيعي أن يكون للأغنية صنف شعبي، إذا الأغنية الشعبية هي لون، وبالنسبة لي معيار الهبوط يتبع الأغنية بحد ذاتها، فلكل أغنية لها مقومات أساسية سواء من كلمة ولحن وتوزيع وبالتأكيد صوت وأداء مطرب، ولطالما كانت هذه المقومات كلّها جيدة، فمن الطبيعي أن تكون الأغنية جيدة، ومن جهة أخرى متى كان هناك خلل في أحد المقومات المذكورة، فعلى الأغلب ستكون الأغنية هابطة سواء أكانت شعبية أم من أي لون آخر، ولكن يُتهم هذا اللون بالتحديد أكثر من غيره، ربما لأن الأغاني الشعبية جوهرها البساطة وهي في الأساس شعبية، ولكن بالعموم أنا لست بموقع تقييم، وأعود وأشدد على مقومات الأغنية بحد ذاتها.

تتعاملين مع أصوات الرجال أكثر من النساء.. هل حياة إسبر كلمتها تعبر عن مشاعر الرجال أكثر من السيدات؟
ليست الفكرة بأن كلمتي تعبر عن مشاعر الرجل أكثر من المرأة، إنما الفكرة هي، بأنني عندما أكتب موضوعاً، فأنا أعيشه وأتخيله بكل مواقفه وحساسيته وبغض النظر إن كان يتكلم عن مشاعر تعود للسيدات أو الرجال، وطبيعة الأعمال هي من تحكم، فمثلا في بعض الأحيان تأتي فكرة الموضوع من تلقاء نفسها، وأحياناً أخرى يطلب مني المغني نفسه أن أؤلف موضوعاً محدداً، وبالمقابل، لدي الكثير من الأغاني التي تحكي عن مشاعر المرأة، وأيضاً هناك ما أكتبه ويكون موجهاً للحبيب، بغض النظر إن كان رجلاً أو امرأة.

أي الأصوات الحاضرة ترغبين بتقديم شعر له؟ وما صفات الصوت الذي يمكن للشاعرة إسبر أن تؤلف له أغنية؟
عندما أكتب موضوعاً معيناً أعيش الحالة التي أؤلفها. طموحي أن يصل كلامي لكل القلوب ولكل الأصوات، وكلما كثرت الأصوات العربية التي تغني كلامي، شعرت بأنني أسير على الطريق الصحيح. وبالنسبة لصفات الصوت الذي يمكن أن أؤلف له شعراً، الموضوع ليس متعلقاً بصفات، بل هو متعلق بفكرة، وهي أن الأغنية هي شراكة بين كاتب وملحن، وتقييم الصوت هو من اختصاص الملحن وليس من اختصاص الشاعر.

أنت والملحن فضل سليمان فريق عمل واحد.. هل من الممكن أن تتعاملي مع ملحن آخر؟ ولماذا؟
فضل سليمان، هو شخص عبقري، فنان لديه إحساسه الرائع، وأنا أسلّمه الكلام وأعلم بثقة كبيرة بأنه سيفاجئني بلحن غير متوقع، وهذا ما يجعلني في شوق كبير لأسمع نصوصاً أخرى تحمل روح فضل سليمان وإحساسه الرائع.

حضور الأغنية السورية القوي في الساحة العربية كم يزيدك إصراراً واجتهاداً لتقديم الأفضل؟
النجاح بالتأكيد لا يتجزأ، وفي النهاية النجاح ينتمي للبلد قبل الشخص، وعندما يكون الطموح موجوداً والرغبة في المحافظة على النجاح موجودة، فمن الطبيعي أن يكون الإصرار موجوداً، والأغنية السورية بلا شك حاضرة بقوة وإن شاء اللـه فستبقى حاضرة بشكل دائم.

الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن أون لاين

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock