مقالات وآراء

خمس سنوات على “عاصفة السوخوي”

بقلم عبد المنعم علي عيسى

يشي المشهد المرتسم في كل من البؤرتين الباقيتين خارج سيطرة الدولة السورية، في شمال غرب سورية وشرق الفرات، بهدوء نسبي من الناحية العسكرية، فميادين تينك البؤرتين لم تسجل على مدى الأشهر القليلة الماضية أكثر من عمليات محدودة، من الواضح أنها لا تسعى إلى قلب الأوضاع القائمة رأساً على عقب، وإنما تمثل في كثير منها، رسائل تكون موجهة عادة إلى من يهمه الأمر، أو هي تكون تعبيراً عن رفض منحى معين يسعى طرف ما إلى تعميقه للاستثمار فيه.

إلا أن ضيق دائرة النار يقابلها على الضفة الأخرى اتساع في ردهات السياسة الذي تمظهر بشقين أولاهما معلن، يحدث في دوائر الأضواء وتحت أنوارها، وثانيهما غير معلن يرى أصحابه أن اكتسابه لهذي الصفة الأخيرة يحقق جدوى لا تحققها الحالة الأولى.

في خلال شهر أيلول المنصرم حدث لقاءان غير معلنين بين الروس من جهة والأميركيين والفرنسيين من جهة أخرى، وفي 20 أيلول المنصرم أيضاً، زار المبعوث الأميركي جيمس جيفري محافظة الحسكة، التي التقى فيها قادة الأحزاب الكردية بأغلبية أطيافها، في محاولة لترتيب البيت الداخلي الكردي، ومن المؤكد أن الحدثين مرتبطان عضوياً، بمعنى أن أولاهما قاد إلى ثانيهما بالضرورة، من دون أن يعني ذلك أن فعل التتالي يمثل مؤشراً على حدوث افتراقات نهائية، لكنه يعني بالتأكيد مؤشراً على إعادة ترتيب للجبهات في مواجهة استحقاقات تبدو قادمة لا محالة.

ما رشح عن الحدث الأول يؤكد أن الروس كانوا غاضبين من مفاعيل “قانون قيصر” على الاستقرار السوري، وكذا على المسار الذي من المفترض فيه أن يؤدي إلى تسوية سياسية للأزمة السورية، وغاضبين أيضاً من الجهود الكبرى التي تبذلها واشنطن لمنع إعادة إعمار سورية بالتوازي مع ضغوط تمارسها على الدول العربية لمنع إعادة علاقاتها مع دمشق، ومن حيث النتيجة، فإن موسكو أبدت اعتراضها على السياسة الغربية في طريقة تعاطيها مع الأزمة السورية، والتي يمكن اختصارها بمنهج “الخطوة في مقابل الخطوة” الذي يستحضر آلية كان قد اعتمدها وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر في منتصف السبعينيات من القرن الماضي وتختصرها جملة “step one step” التي نجحت، أو هي أرست طريق النجاح، في تفكيك مسارات الصراع العربي الإسرائيلي، ومن حيث النتيجة، فإن الروس قد قرروا، كما يبدو، إقفال قنواتهم القائمة مع الغرب إلى حين انقشاع الغيوم في سماوات واشنطن، الأمر الذي يفترض حدوثه في غضون شهر تشرين الثاني المقبل الذي سيشهد حسماً للصراع الدائر بين طرفيه في الوصول إلى البيت الأبيض، مع بروز تباشير أزمة تهدد بنية النظام الأميركي القائم أيأً تكن النتائج التي ستفضي إليها تلك الانتخابات.

زيارة جيفري إلى الحسكة سابقة الذكر، تؤكد الصورة السابقة وتدعمها، فهي من جهة تثبت الخلاف الروسي الأميركي الذي لا يزال عميقاً حيال سورية، ومن جهة أخرى تبرز، عبر محاولة الأميركيين ترتيب البيت الداخلي الكردي، مسعى أميركياً لمحاولة تجميع ما يمكن تجميعه في لحظة تبدو فيها التوازنات التي أرساها الوجود الأميركي في شرق الفرات، غاية في الهشاشة وهي قابلة للانقلاب في كل لحظة، رأساً على عقب، ومن المؤكد أن تلك المحاولة تستحضر احتمال حدوث انسحاب أميركي مفاجئ من سورية، ولربما من العراق، وهذا الاحتمال سوف يتعزز حدوثه إذا ما فاز دونالد ترامب بولاية ثانية، وهو أمر يبدو مرجحاً أقله حتى الآن.

ثمة شيء يوحي بأن السوريين والروس يتصرفون على قاعدة أن “الوقت يعمل لصالحنا”، وتلك قاعدة يمكن أن تدعمها مؤشرات عدة بعضها له علاقة بالحراك الدائر في شرق الفرات والذي إذا ما تطور فإنه سيقلب موازين القوى بشكل كبير، والبعض الآخر يمكن استشرافه من السلوك الأميركي خصوصاً والغربي على وجه العموم، ما يمكن تلمسه في التفويض الذي قدمه الغرب للمبعوث الأممي غير بيدرسون، الذي يقضي باجتراح حلول للأزمة السورية سواء أكان من داخل “اللجنة الدستورية” أم من خارجها.

في جردة حساب تهدف إلى تحديد الحصيلة التي جاءت بها سنوات خمس مرت على بدء “عاصفة السوخوي”، يمكن القول: إن موسكو استطاعت فعل الكثير في سورية، والمؤكد هو أنها قادرة على فعل ما هو أكثر، وما يمكن أن يحد من قدراتها تلك هو حالة الاحتياج التي تبديها موسكو تجاه أنقرة التي ترى فيها وسيلة لتقزيم الوجود الأميركي في شرق الفرات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock