مقالات وآراء

رمزي كلارك: رجل أم ظاهرة؟

بقلم: بثينة شعبان

قلّما يجود التاريخ على البشرية بشخصيات من أمثال نيلسون مانديلا أو المهاتما غاندي أو جين فوندا أو مهاتير محمد أو فانيسا ريدغريف أو وزيرة خارجية السويد آن ليند مؤازِرة القضية الفلسطينية التي اغتالها العدوّ الصهيوني في ستوكهولم أو رمزي كلارك الذين يرون مجريات الأحداث بعين إنسانية صرفة والقادرين على التمييز بين الحق والباطل وبين القانوني واللاقانوني حتى في الدائرة المقرّبة التي ينتمون إليها التي من المفترض أنهم يعملون من أجلها، ولكن إيمانهم الأعمق بإنسانية الإنسان وحقه في الحياة العزيزة الكريمة في كل مكان يحتل أولوية أولوياتهم وتندرج كل المواضيع الأخرى بما فيها أشخاصهم وأعمالهم في ترتيب لاحق لهذه الأولوية التي منحوها جهدهم وضميرهم وكلّ وقتهم.
وزير العدل الأميركي الأسبق الراحل رمزي كلارك كان أحد هذه الشخصيات الأميركية التي تبوأت مواقع رسمية وحساسة في الولايات المتحدة من دون أن يمنعه ذلك من الوقوف ضد الحرب الأميركية على فيتنام وضد الحصار الأميركي للعراق ومن ثم ضد احتلاله وضد تقسيم يوغوسلافيا وضد قصف ليبيا في العام 1986 وضد قصف غزة عام 2009 وضد الحرب على لبنان عام 2006 وضد الحرب الإرهابية على سورية عام 2011 وضد الحرب على الإسلام حيث اعتبر أن الحرب على الإرهاب هي تسمية مضللة لحقيقة حرب غربية على الإسلام.
وبقي رمزي كلارك طوال حياته يحاول دعم الشخصيات والقضايا التي رأى أنها عرضة للصلف الأميركي ولتلاعب الولايات المتحدة بالمفاهيم والإجراءات القانونية لتحقيق الأهداف التي تريد ضد من تستهدفهم الذين لا حول لهم ولا قوة في وجه القوة القانونية والإعلامية العاتية للولايات المتحدة الأميركية. ووقف دون تردد وطوال حياته مع هؤلاء المستضعفين ليس في الكتابة وعلى الورق فقط وإنما في الأعمال والأفعال حيث تبرع في الدفاع عنهم كمحامٍ مشهور أملاً في أن تساهم مكانته وشهرته في جذب الأنظار وتحقيق العدالة لقضاياهم؛ فقد كان رمزي كلارك يردد أن واشنطن تشيطن أعداءها لدرجة تجعل من الصعب عليهم الدفاع عن أنفسهم في المحاكم وأمام الرأي العام، وهذا النوع من المتهمين هم من كانوا يلفتون انتباهه أكثر من غيرهم ذلك أن إيمانه هو: « إذا لم تكن قادراً على القضايا الصعبة فلا قيمة لك. القضايا السهلة سهلة».
وقد عبر عن نفسه أكثر من مرة أنه محام ويؤمن بحقوق الإنسان، ومن مواقفه الاستثنائية أنه في عام 1980 وبينما كانت إيران تحتجز 53 رهينة أميركية في السفارة الأميركية في طهران قام كلارك بزيارة إيران للمشاركة في مؤتمر حول جرائم أميركا، وبعد الحرب الأميركية على العراق والحرب الصهيونية على غزة ولبنان شارك رمزي كلارك مع الرئيس الماليزي مهاتير محمد في القاهرة في محاكمة شعبية لمجرمي الحرب الكبار: جورج بوش الابن وتوني بلير وأرييل شارون، وهي المحكمة التي أطلقها الأستاذ خالد السفياني (أمين عام المؤتمر القومي العربي يومها) والأستاذ عبد العظيم المغربي في مقر اتحاد المحامين العرب وبرعايته.
ولكن ورغم كل إيمانه العميق بمبادئه الإنسانية وسعيه الدؤوب أن يعيشها ويعمل من أجلها فإن رمزي كلارك كان مدركاً أن القوى الإمبريالية والصهيونية لن تحدث أي تغيير على ممارساتها إلا إذا أجبرت أن تفعل ذلك، وإن القوة الوحيدة القادرة على إرغامها لفعل ذلك ولإيقاف جرائمها بحق الإنسانية هي حركة شعبية عالمية تطالب بالعدالة.
لا شك أن رمزي كلارك وآخرين غيره، منهم من نعرف ومنهم من لا نعرف، قد عملوا جاهدين طول حياتهم لتحقيق العدالة ورفع الظلم عن شعوب ودول، ولكن السؤال اليوم هو: هل تمّ استثمار أعمالهم وجهودهم بالشكل الأمثل؟ وهل تم تخصيص الوقت والجهد اللازمين من المتضررين كي يعملوا على البناء على جهود هؤلاء والاستفادة من سمعتهم وشهرتهم ومواقفهم الاستثنائية لبدء حركات محلية وإقليمية وعالمية داعمة لقضاياهم؟
لقد قالت جين فوندا وهي تستذكر مواقفها المعادية لحرب فيتنام وجهودها الرامية لإيقاف تلك الحرب، واستخدامها لاسمها وشهرتها من أجل ذلك: «لقد اكتشفت أنك في دعم مثل هذه القضايا الكبرى بحاجة إلى حركة أو حزب أو تيار كي يصبح صوتك مؤثراً وكي تحصد النتائج التي حرّكتك للعمل في المقام الأول».
حين تظهر شخصية مثل رمزي كلارك أو جين فوندا أو جورج غالاوي يحاول الغرب أن يعزل هذه الشخصية أو يفقدها مصداقيتها أو يثبت أنها ظاهرة عابرة أو زوبعة في فنجان لا تعبّر عن رأي عام ولا تجد صدى في الأوساط التي انطلقت منها، ولذلك فلا تأثير لها على خط السياسة العامة ولا مبرّر لكل ما تدّعيه.
هذا من وجهة نظرهم ولكن الأمر الأهم أن مثل هذه الشخصيات لا تلقى آذاناً مصغية ولا مرجعيات لدى الأطراف التي كرّست حياتها للدفاع عنهم، وهنا بيت القصيد لأن الهدف الأساس لهذه الشخصيات وأعمالها هو أن تحدث فرقاً في مسار القضايا التي تبنتها، ولا يمكن لها أن تفعل ذلك من دون أن يتحول مسارها إلى مسار حركة أو تيار محلي ومن ثم إقليمي فدولي.
ولسبب ما لم تتقن الدول والشعوب المضطهدة الاستثمار في هذا المنحى، بل إن الإعلام الغربي ذاته يصور هذه الشخصيات بأنها منفصلة عن واقعها، ويركز على إقناع ضحاياه بأن لا قيمة لأي جهد يمكن أن يبذلوه، وأن لا جهد مهما بلغ يمكن أن يغيّر من الأمر شيئاً ويفعل ذلك من خلال التابعين له والمأجورين والطابور الخامس الذي لا يمل من ترديد عبارات: «ما الفائدة» و«لا نمتلك أدواتهم» و«لا يمكن لنا اختراق إعلامهم أو أساليب عملهم». هذا التيار المستسلم بين أضلع أصحاب القضايا العادلة يكمل مهمة الخصوم والأعداء بأنه يثبط الهمم ويمنع التحرك الإيجابيّ الفعّال بذرائع واهية.
لقد أثبت التاريخ مراراً وتكراراً أن القضايا العادلة لا تعرف المستحيل، ولا شك أن تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي كان معجزة شعبية وطنية رائدة يجب ألا تُنسى، كما أن تغلّب شعب جنوب إفريقيا على نظام عنصري حظي بدعم القوى الإمبريالية والصهيونية ودحر هذا النظام إلى الأبد، كان أيضاً مثالاً للشعوب الحية. لم ينل اليأس من قلب المناضل نيلسون مانديلا وهو سجين في روبن آيلاند لسبعة وعشرين عاماً، بل ظلّ مؤمناً أن النصر سيكون حليفه.
اليوم ورغم سوء واقعنا العربي وانهيار الإرادات والمعنويات واختلال موازين القوى بين المعتدي وأصحاب الحقوق فإننا يجب ألا نتوقف عن العمل وألا ينال القنوط من إرادتنا، بل يجب أن نعمل ليل نهار ووفق أفضل وأحدث آليات العمل التي توصلت إليها البشرية لنصرة قضايانا.
لم ينتصر شعب جنوب إفريقيا من خلال دعم الأفارقة له فقط، بل من خلال الانطلاق إلى العالمية وانتصار كل الشرفاء في العالم له، وهكذا علينا أن نفعل؛ أن نطلق قضايانا إلى خارج الحدود العربية وأن نهدف إلى كسب الرأي العام العالمي لمصلحتنا.
قضية فلسطين والحرب والحصار على سورية والحرب على اليمن قضايا شعوب واقعة تحت تأثير ظلم كبير، وتقديمها إلى العالم بالأسلوب والطريقة المناسبتين والعمل المثابر والجاد سيضمن التوصل إلى إحقاق الحقوق وإلحاق الهزيمة بالمعتدين والمحتلين والظالمين.
لقد قال رمزي كلارك: «كلّ ما أعرفه هو أنني كنت دائماً أعمل بجد وما زلت أعمل بجد». لقد علم دائماً أنه على حق وعمل جاهداً لإحقاق العدالة وأكد كلارك «الحاجة لخلق فهم لدى عموم الناس لعناصر العدالة، والأهم هو خلق عاطفة لديهم لتحقيقها وضمانها للجميع» وأضاف كلارك: «ما يجب علينا فهمه هو أنه من أجل تحقيق ذلك فإن الكلمات على الورق تكتسب معناها فقط من خلال عمل الشعب». أي هذه ليست عبارات نقرؤها ثم نغيب عنها، ولكنها برامج عمل بحاجة إلى أبحاث ومفكرين يضعون الخطط التفصيلية لها، ويضعونها بين أيدي قادة الأحزاب والحركات والمعنيين بخلق قيادة حركات شعبية محلية وإقليمية ودولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن أون لاين

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock