رياح الصحافة الوطنية تشرع في الوطن السوري

أما وقد قبلت الزميلة” الثورة السورية” رحلة التحدي، ومهمة النبلاء وسط “عجقة” الفضاء الرقمي، فإن ملامح التحول يمكن التنبؤ حولها، لجهة انتقال الاشتباك السوري- السوري، من الخلاف حول الوقائع، للقوننة باتجاه الرأي قبولاً أم رفضاً، على أرضية الوقائع المنقولة، بمهارة الصحافة وأحقيتها وحرصها في التوازن والمصداقية وتعزيز السلم الأهلي في مجتمع عانى تسلط أجهزة الإعلام وعزز الانقسام وخلق الفتن والانقسامات بين أبناء الجسد السوري الواحد. مهمة تبدو متعبة لكنها ابنة الضرورة السورية.
تحديات الجريدة المحكومة، بعوامل الوقت تحضيراً وطباعة، ووصولاً، قد لا يسعف هدفها كأي منتج في المنافسة غير العادلة أمام العصر الرقمي، لكنها وإن تأخرت فإنها تقدم وجبة إعلامية متكاملة، لجهة الإحاطة والمعلومة والمصدر ووجهات النظر، إضافة للأسلوبية التي قد تترسخ بفعل الممارسة والاعتياد، وهو ما يسهم أيضاً بتحقيق توازن الموقف الشعبي، وعدم انجراره لساحات اشتباكات وسائل التواصل الاجتماعي غير المنضبطة بقانون حتى تاريخه.
نقل الاشتباك وضبطه ومأسسته عبر الإعلام خطوة تؤسس للانتقال لباقي تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الإعلام أبعد من ناقل للخبر وتقرير وتحليل إنه يمهد لتعايش الجمهور مع مؤسساته وبداية مشروع عودة الثقة بها، من خلال بوابة الإعلام.
من مسلمات التوافق الجمعي السوري، أن المحتوى غير المهني على المنصّات الاجتماعية، وتهافت الناشرين، داخلياً وخارجياً، خلط “الحابل بالنابل” وشتت ميول الجمهور وهدفه وخلق أزمة الثقة واضحة بين المتصفح وناشر المحتوى، إذا لم نستحضر أرقام ومؤسسات “الذباب الالكتروني الراغبة أصلاً في خلق أزمات سورية والاقتتات عليها.
المرحلة المقبلة تحمل فرصة نادرة لإعلام وطني يعيد الاعتبار للكلمة، ويجعلها أداة بناء ورقابة وحوار واقتراح حلول لا تكرار شعارات.
الأرواح التي وقفت خلف الانطلاق، تبدو مؤمنة برسالتها الإعلامية، وتعرف أن طريق مهنة المتاعب طويلاً، لكنها قبلت المهمة والتحدي والرهان في الزمن السوري الصعب، بعض عناوين العمل التي دأب فريق العمل على تأديتها لجهة الالتزام بالمهنية وشروطها تعكس المضي بالاتجاه الصحيح بكل معوقاته وظروفه غير المشجعة، لكنه يوصل رسالة، بإمكانية حضور للإعلام السوري، ناهضاً وحاملاً، كصانع لوعي عام يحمي المجتمع ويسهم في إعادة بناء الدولة على أسس متينة من الثقة والمسؤولية.
الفسحة الإعلامية الجديدة للزميلة “الثورة السورية” فرصة للنجاة المتعب من حالة الاضطراب الإعلامي وانعكاسها على حيواتنا المجتمعية والشخصية، فتنافس الإعلام المتعجل وتسد ثغرات سرعته، ولديها كوادرها الخبيرة بالجغرافيا والديمغرافية السورية، وتجد الناس فسحة لمعرفة موثوقة المصدر والمسؤولية، فتعالج ولا تمرر العناوين بسرعة الإعلام الرقمي، وتفند وتقاطع وتتحول لقبلة الباحثين عن صوتهم وأثرهم وتقدم الحقائق بمسؤولية صحيفة وطن، سيجد الناس أصواتهم عبرها، من أقصى مزرعة جنوب حوران لقرى الشمال الشرقي في الحسكة السورية.
قصص الناس وهمومهم قد لا ترقى لـ”سكوبات” نجوم الفن والمجتمع والسياسة، لكنها أيضاً الزوايا التي لا يصلها رواد التأثير والسوشل ميديا.
أمام الزميلة الثورة فرصة “أكون أو لا أكون” وعليها واجب الفوز رغم صعوباته، يمكنها اليوم مع زميلاتها من المؤسسات الإعلامية، تعزيز ثقة الناس وعودتهم للاعلام الوطني كمصدر للوقائع، وملامسة هموم الشارع السوري وقضاياه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتقديم محتوى يليق بوطن ذاق مرارة القهر والتصحر السياسي والتهجير والمعتقلات.
“الثورة السورية” لديها مكاتب في المحافظات السورية، لا ينافسها بذلك أحد، مدعومة من الدولة مالياً، تتحمل التجربة التنافسية بأفكار جديدة وخلاقة، فيما غيرها سيدخل عنق المنافسة ويخرج خلال أشهر، لكن خروجها سيؤول ويقال فيه الكثير، لو حدث لا سمح الله.
الرهان على حامل هامش الحرية المتسع أصلاً والمتوافر للجميع يحتاج إلى مراجعة، ومصارحة ونقد بنيوي، ومثله الرهان على الحب الأول للمطبوع ورائحته، كنكتة لمتقاعد هرم مثلي، الدنيا تغيرت، الناس والأحوال والطباع والعادات والأولويات حتى فكرة تعزيز دور الصورة في المطبوع انتهت مقابل الفيديو، براعة المانشيتات انتهت مقابل الفضائح العاجلة.
ربما بعض الحصرية، عامل قد يساعد، والوصول العاجل والنفي عبر بوابتها الإلكترونية، يمنحها ميزة تنافسية.
ربما التجربة الكتابية كحالة إبداعية رصينة تستوجب التحفيز المالي بعد الإغراق العاطفي، فهل لدى الإدارة القدرة على ذلك، ومنافسة المتلفز، وإغراءاته، كلها تحديات تنتظر الزملاء هناك. حتى إن فعلت فهل تكفي لإنقاذ العلاقة مع الجمهور، في مدينتي الريفية في فرنسا، توزع الصحف صباحاً بالمجان معتمدة على عوائد الإعلانات، فيما أوجدت البلديات ركناً لوضع الكتب المستعملة وإمكانية استعارتها وأخذها مجاناً وفي كل شهر تغص الأرصفة بالكتب بسعر السنتميات، أراقب جمهور عربات القطار المريحة، ركاب الطائرات، المراكز الثقافية، لا أحد يحمل كتابه لا يميناً ولا يساراً كأنها إعلان لنهاية الكتاب والصحافة.
هذا زمن التحدي الأصعب لزملاء “الثورة السورية”، ولعل شرف المحاولة ينجح ونبل النوايا يحفز وصراحة المتلقي ونقده وسؤاله يعين الزملاء في مبتغاهم.
باريس- محمد العويد