منوعات

سبهان آدم لـ«الوطن»: غيرت اسمي لأنني لا أريد حدوداً عرقية أو طائفية تفصل بين حلمي والعالمغيرت اسمي لأنني لا أريد حدوداً عرقية أو طائفية تفصل بين حلمي والعالم

فنان مخزونه الإبداعي وإنتاجه القادم، لا يكفيه عشر سنين تالية كي يظهر، إنه الرسام سبهان آدم الذي يعرف نفسه بأنه بخلاصته هو ريشة وألوان ورسومات، يقف في وجه الزمن متحديّاً كل ظرف ممكن أن يقف في وجه رسوماته أو حتى شخوصه، يحب الحرية مع ذاته ويذوب فيها إلى أبعد مدى منعزلاً بطواعية تامة في ركن دمشقي يجد فيه كل أهوائه ومشاعره ومنصاعاً من هواه الخاص إلى غرائبه لأنها في الأساس هي شغفه المطلق، فنان لا يقبل أي نوع من الاحتكار ولا يفكر بالمشاركة ولا يستهويها، يعمل منفرداً بمزاجية تتلاعب بين النرجسية العالية وحب المغامرة مع جنوح لا محدود من التمرد على المألوف، لتحقيق الرسم الذي هو بمكان تقديس وأهمية من ذاته نفسها، فكلماته الشعرية الرقيقة لم تعد تنفع، لأن رسوماته المخدّمة بألوانه السورية الحارة، هي الهوى والهدف كي يكون محرضاً ومثيراً للإشكاليات في فن يعكس العقد والإشكاليات النفسية والأقنعة التي يتسلح بها الناس، من خلال كائناته الخاصة غير الملحقة بالكائن البشري، كي يصل الفنان في النهاية إلى هدفه في زعزعة النفس البشرية وتحريضها.
اليوم سبهان آدم حاضر في سورية بعد انقطاع دام خمس سنين من خلال معرضه «لوحات جديدة» في الآرت هاوس والمستمر حتى 10 تشرين الثاني، بثلاث وعشرين لوحة (أكرليك على قماش، متران × متر وعشرون سم)، تجسّد مخلوقات غريبة عنا نحن البشر فيها من طابع التوحش الكثير، ضمن تمازج لوني صارخ.

بداية حدّثنا عن نشأتك والبيئة التي ترعرعت فيها.
أنا من مواليد الحسكة عام 1972، من عائلة بسيطة الحال، ودرجتي في التعليم متوسطة، كنت أكتب الشعر والصحافة وأنا في الخامسة عشرة وفي هذه السن بالذات كنت التهمت الكتب بشغف كبير، ونتيجة لقراءاتي قررت وأنا في السابعة عشرة أن أكون رساماً.

ما طبيعة الكتب التي خلقت فيك الرغبة كي تكون رساماً؟
الكتب التي كنت أقرأها منوعة بين الفلسفة والأدب والفكر الروسي والأميركي والأوروبي، الأمر الذي أسهم في خلق ثقافة إنسانية في داخلي تناسب نزقي الشبابي والساعي للتمرد، وبالعودة إلى البيئة التي تربيت فيها، كانت طبيعتها قاسية وكثيرة الجفاف، كما تفتّحت عيوني على مشاهد قاسية كالحرب الإيرانية العراقية، إضافة إلى أن محيطي كان غنياً بالأقليات منهم الأكراد والأشوريون والسريان، إضافة إلى وجود المسيحيين والمسلمين، وبالطبع هذا الاختلاط أثر فيّ وأغنى مخيلتي، وعندما قررت أن أكون رساماً جاء القرار من دون أي تفكير مسبق، في وقت لا أملك فيه القوة العضلية، ولكنني دافعت عن قراري هذا بشراسة، واليوم لا يمكنني أن أقارن اللوحة الحالية باللوحة التي رسمتها في البدايات، تعلمت الرسم وحدي ولم يكن لأحد فضل عليّ في تعلمه، فأنا رجل عصامي، وبعيد عن نقابة الفنانين، كما أنني لا أشارك في المعارض المشتركة، وحتى اليوم لديّ سبعون معرضاً فردياً، وأكثر من ثلاثين معرضاً في فرنسا، وبرشلونة، ونيويورك، ومدريد وغيرها من الدول.

ابتداء من اسمك وتعريفك لنفسك ولأسلوبك الفني.. هل تقصدّت الغرابة؟
الجينات في داخلي هي في ذات نفسها غريبة، فأول ما كتبت الشعر أو الصحافة ومن بعدها الرسم، كل شيء كان بالنسبة لي غريباً، بمعنى كنت أمشي بعكس التيار، فمثلا أنا لم أقرأ الشعر العمودي، لأنني لم أحبه، وأنا مهتم بالسريالية ومتمرد على الفن، فمكونات شخصيتي منذ كنت في السابعة عشرة هي نفسها المكونات اليوم، أنا أحب الأمور الغامضة سواء في الشعر أم الثقافة حتى في الرسم، وكل ما يصعب فهمه وكل ما هو معقد يشدّني، فشعر أدونيس مثلا يشدّني، وأنا أرى الحياة مركبة بكل تعقيداتها وبكل نفاقها وبكل أقنعتها وبكل وجوهها.

ما مدى انطلاقك من مفردات البيئة المحلية؟
مازالت المفردات في أعمالي بقبضتي، فالبيئة الحاضنة لي هي سورية ومنها انطلقت، لا شك في ذلك، فمثلا الخطوط الملونة ما زلت استعملها، فعلى سبيل المثال ظهر لون في الحسكة وكان باسم «قلب صدام» وقتها كل النساء ارتدين هذا اللون وهذا اللون للآن هو موجود في لوحاتي.

الألوان الأحمر والزهري واضحة جداً ويمكننا القول إنها حارة؟
أنا أحب الألوان وعلى الخصوص الأحمر، الفوشيا، التركواز، الفوسفوري، ومن خلال هذه الألوان أحاول أن أخفف من قساوة اللوحة، والحرارة هي شرقية لأن الألوان هي من شمس سورية.

ولكن لماذا عملت على حرارة مكان وفكر مكان آخر.. ماذا حققت من ذلك؟
تحقق وجود هذا الكائن المختلط، فالثقافة البصرية الأوروبية كلّها ضبابية، حتى التعبيريون لم يذهبوا في اتجاه الألوان القوية، على حين أنا ذهبت في هذا الاتجاه ومعه الضبابية والسوداوية مازجا بين الشرق والغرب، فالأحمر والتركواز والفوشي غير مستخدمة في الغرب، على حين يستخدمون اللون الذهبي والرمادي، فعملت أنا على هذا المزج وهو من عوامل نجاحي وتميّزي، وتمّ تقبلّه لأن فيه بصمة خاصة، وبالعموم كي تظهر في الفن يجب أن تتمتع بلمسة خاصة.

ماذا عن الازدواج في الوجوه والعيون؟
هذه كوميديا سوداء، وبالنسبة للازدواج فهو من التعقيدات الغربية، والخلط بين الكائنات البشرية والحيوانية، هي كائنات أخلقها برسوماتي من دون ربطها بالنسل البشري، ولها تعقيداتها وجمالياتها ضمن إطار القوة والعنف.

لماذا توقّع اسمك باللغة الانكليزية، لماذا لا توقّع باللغة العربية؟
لأنّ مخي أو تكويني الثقافي متعدد من كل ثقافات العالم، وأنا أوقّع باللغة الأجنبية لأن أعمالي موجّهة إلى الخارج، وهي في الحاضن المحلي غير موجودة، اسمي هو سبهان حسين محمد وعندما قررت أن أصبح رساماً، أصبح اسمي سبهان آدم، لأنني لا أريد حدوداً تفصل بين حلمي والعالم سواء أكانت عرقية أم طائفية، وبطبيعة الحال ليس لأعمالي أي صيغة محلية، وبمشاهدتها لا يمكن أن يكتشف المشاهد هوية الرسام وحتى يمكنه بسهولة أن يظن أنَّ الرسام أجنبي، برازيلي مثلا أو أميركي.

هل تفضّل دائماً أن يكون رواد معارضك من الطبقة النخبوية القادرة على شراء الأعمال؟
صحيح أنه يهمني أن تُباع أعمالي وتُشترى، ولكن هذا لا يمنع على الإطلاق أن يكون من رواد معارضي أشخاص ذواقون للفن ولو كانوا غير قادرين على الشراء، فهذا يهمني أيضاً لأنه سيزيد من متابعي أعمالي.

ومتابعو أعمال سبهان آدم هم كثر، ولكن من الغرب هم أكثر؟
بالطبع.. لأنّ الفن لديهم بتذوقه، هو تقليد يوميّ، هذا إضافة إلى رفاهيتهم، بعكسنا، فنحن تقليدنا اليومي هو الهموم الحياتية، إذا اختلاف الثقافة بيننا وبينهم وأسلوب الحياة حتى الاهتمامات تشجّع على تعاطيهم الفن أكثر منا.

لاحظت في المعرض «لوحات جديدة» في الآرت هاوس، أقاويل الحاضرين إنهم يخافون من اللوحات.. هل هذا بسبب غرابتها؟
كلا.. بل هذا بسبب ضعف الثقافة عندهم، فنحن نعاني ضعفاً في الثقافة البصرية، وعلى من يرتاد المعارض التشكيلية أن يكون مهيّأ بشكل بصري، وأن يكون لديه أقل ما يمكن من الإلمام حول الفن التشكيلي وقدرة على تذوقه.
من في الغرب له صلة بأعمالك وبينك وبينه قرابة بالفن؟
أسلوبي التعبيري قريب جداً إلى المدرسة الألمانية التي تأثرت بها كثيرا، ولكن أسلوبي التعبيري في لوحاتي يعود إلى شرقيتي، فأنا أعتبر نفسي ابن المصيبة أو ابن الكارثة، فمنذ كان عمري عاماً واحداً كنت شاهدت ولأول مرة الدبابات العراقية ورغم حداثة عمري إلا أنني لا أنسى هذه المشاهد.

أنت اخترت الرسم كي تكون برجوازياً.. هل الفن التشكيلي قادر على فتح البيوت وتحقيق الربح المادي الكبير؟
بلا شك.. هذا حصل لي وكان وقتها الأمر مفاجئاً، ولكن بعدها تيقنت أن أعمالي بطبيعتها المختلفة أثّرت في جيل كامل وهم ينظرون إليّ كقدوة، ولكن ما ساعدني في انطلاقتي، هو وجود مراكز قرار عالمية أو دولية في لندن باريس وهي حاضن بصري هائل، من خلال المجتمع وثقافاته ومؤسساته، وحتى يخترق الإنسان مجالاً معيناً عليه أن يتملّك بصمةً خاصةً، وهذا فتح الآفاق لي، فشاهدوا ما لم يشاهدوه سابقا في أعمالي، وبالفعل ليس كل من رسم بإمكانه أن يصبح برجوازيا، لكنه نجح معي.

ما المانع أن تخط كتاباً بحروف أشعارك وتقوم بالوقت نفسه في رسمه بريشتك وألوانك؟
لم أتابع الشعر لأنه لا يجلب مالا، وجواباً عن هذا السؤال، الأمر معقد لأن هناك اختلافاً بالأرضية، فالمزج بين الشعر والرسم ليس سهلاً، والفسحة الشعرية اللغوية كبيرة جداً وتحتاج إلى المشاعر والأفكار، بينما في الرسم الأفكار تُستمد من الخطوط ومن التجارب والمعارف.

ماذا يعني لسبهان آدم المشي في حواري وأزقة الشام والاستراحة والتقاط الأنفاس على أرصفتها؟
هذا أمر يعنيني كثيراً، لأنني سافرت إلى العديد من البلدان في العالم، ورغم سفري الطويل لا توجد في العالم مدينة جميلة كجمال مدينة دمشق، ولكنني لم أستطع الاندماج في تلك المجتمعات، لأن هذا يتطلب وقتاً طويلاً، بالإضافة إلى تغيير الجلد والعظام وحتى طريقة التفكير. من بدايتني أتيت إلى الشام وكنت مستأجراً لغرفة، وعشت فيها حياة التقشف، فأنا شخص لا أحمّل غيري أعباء مسؤولياتي، وأنا هنا منذ أكثر من عشرين عاماً، أعرف تفاصيل المنطقة السورية وكل أشيائها وناسها وطبيعتها، وهذا الانتماء لا أجده في أوروبا، عالمي الحقيقي هو في المرسم الخاص بي، ورغم مساحته التي هي (4×4) متراً، إلا أنها عالمي الحقيقي الذي لا يمكنني الابتعاد عنه لوقت طويل.
كيف تتعامل مع الشهرة ونشوة النجاح؟
لم يعد يدهشني نجاح المعارض ولم يعد يدهشني كم اللوحات التي يتم بيعها، فالأمر أصبح الآن مرتبطاً بالاجتهاد والسعي وكم الإنتاج المطلوب أن أنجزه، لقد وصلت إلى مكان يصعب عليّ أن أتراجع، بل من واجبي على نفسي أولاً وعلى نجاحي ثانياً أن أبذل كل ما يمكن، من أجل المتابعة بالزخم والقوة والمستوى نفسه، وربما أفضل.

إلى أي مدى أنت كائن منعزل، وإلى أي مدى العزلة ضرورية لك كفنان؟
بالنسبة لي العزلة لها تفاصيل حساسة، بمعنى أنا مفرّغ ذاتي للرسم، وأي شيء آخر هو غير مهم بالنسبة لي، وهذا لا يعني أنني أتهرب من واجباتي الإنسانية، بل على العكس أنا أراها بسيطة ومن السهل القيام بها، وأعتبر العزلة أساس كل شيء وأمراً طبيعياً وضرورياً للفنان والإبداع.

هل تتابع الحركة التشكيلية في سورية؟ ما رأيك بها؟
لا أتابع ولو كنت أتابع لما وصلت إلى هذه المرحلة، أنا من الأساس بعيد عن نقابة الفنانين، ولكنني أجد أن الحركة التشكيلية مركبة وفيها أب صالح وأولاد عاقون.

من الأب الصالح؟
الدولة، وهي من تتيح لأن يكون هناك أطباء وفنانون ومحامون بأسعار شبه مجانية، وهذا أمر لا نجده في بلدان أخرى.

هل أنت باذخ في الموسيقا التي تسمعها مثل فنك، وما الأنواع الموسيقية التي تستهويك؟
لا بالعكس أنا أحب الموسيقا الهادئة وبعيد تماماً عن الموسيقا الصاخبة، أعشق الأغاني السورية السبعينية وفنانين مثل موفق بهجت وفهد بلان، أحب الأغاني العراقية والمقامات والقدود الحلبية والأغاني التراثية وحتى الأغاني الطربية المصرية، والغريب أن الناس عندما ترى رسوماتي تستنتج من نفسها مباشرة بأنني أميل إلى الموسيقا الصاخبة والروك، لكنني بالفعل أحب الأجواء الهادئة والشموع والألوان الخافتة.

كم ساعة تعمل يومياً؟
لديّ كثافة كبيرة في الإنتاج وأعمل بشكل يومي لساعات تتراوح بين سبع وثماني ساعات على أقل تقدير، الرسم لدي هاجس يومي وحتى لو لم أمارسه يومياً، إلا أنني أخطط وأفكر له بشكل ذهني، وأصبح في حياتي أسهل من التحدث والكلام، وبالتالي لم يعد يرعبني القماش الأبيض ولا تقلقني فكرة وضع المواضيع عليه.

أنت من الرسامين المحظوظين بنجاح أعمالك من جهة ومن جهة ثانية في نجاح تسويقها من خلال مؤسستك الخاصة.. إلى أي مدى هذا الأمر مفيد ومريح؟
هذا الموضوع يريحني بشكل كبير، وخاصة لأن إنتاجي ضخم ولا معرض قادراً على استيعابه، وهناك أمر آخر وكما نقوله بالعامية «أنا أبو الصبي» وعليه، فأنا الأكثر علماً بما تحتاجه أعمالي من أمور ودعاية أو دعم، وبالتالي هذا يبعدني عن مزاجية الجهة التي سأطلب منها الدعم، إذاً من الصعب أن أعطي مشروعي إلى جهة وهي بالأساس غير قادرة على الرعاية لهذا أفضل أن أسوّق لنفسي من خلال مؤسستي.

سوسن صيداوي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن أون لاين

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock