العناوين الرئيسيةسوريةسياسة

عام أول من الدبلوماسية الجديدة.. كيف أعادت الإدارة السورية رسم ملامح سياستها الخارجية؟ 

ستة أيام وتمضي سنة على التحرير من نظام بشار الأسد، سنة كانت كفيلة لرسم ملامح السياسة السورية الخارجية الجديدة، حيث عملت الإدارة الجديدة على تأسيس علاقات إقليمية ودولية جديدة، أساسها الاحترام المتبادل والمصالح المتقاطعة، واتباع سياسة متوازنة في علاقاتها مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، بعيداً عن مبدأ التحالفات، بما يضمن استقلالية القرار الوطني السوري.

فبعد سنوات من التوترات الإقليمية والعزلة الدولية، جاء العام الأول للإدارة السورية الجديدة محملاً بتغييرات لافتة في الخطاب السياسي والتحركات الدبلوماسية، ورغم التحديات المعقدة التي ورثتها الدولة من مرحلة طويلة سابقة، فإن المؤشرات تشير إلى تحول هادئ ومدروس في اتجاه دبلوماسية الانفتاح المتزن التي تبنتها القيادة الجديدة.

يقول الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية المهندس باسل كويفي لـ”الوطن”:” في يوم التحرير  8 كانون الأول 2024، عاشت سورية واحدة من أهم محطاتها التاريخية، لحظة انتصار كرامة الإنسان السوري وانكسار فوبيا الخوف والرعب التي عاشها شعبنا السوري خلال حكم المخلوع ومنظومته الأمنية التي أثقلت كاهل المجتمع لعقود، وفتحت بوابات الأمل بعد المعاناة والألم في بناء سورية الجديدة الدولة المدنية الحرة والعادلة، تعاد فيه صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس العدالة والشفافية والمشاركة، وفق المواطنة والمساواة وسيادة القانون والهوية الوطنية الجامعة بحيث يصبح تنوع المجتمع السوري بكل غناه ثروة وطنية ومصدر قوة، فسورية الجديدة وطن يتسع لجميع أبنائه ومكوناته”.

لقد أدركت الإدارة الجديدة، أهمية وضرورة تطبيع علاقات سورية مع دول الجوار والإقليم والعالم، فعملت على التأكيد عبر جملة من الرسائل السياسية، والجولات الدبلوماسية المكوكية خلال عام مضى، أن سورية لن تكون عامل توتر وعدم استقرار، بل إن تركيزها بعد انتصار الثورة وإسقاط النظام السابق، سيكون الانتقال إلى بناء الدولة التي تسعى إلى العيش في سلام ووفاق مع جوارها والعالم، عبر الالتزام ببناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، من دون الارتهان لأي دولة على حساب مصالح دول أخرى.

وعليه أجرى وزير الخارجية أسعد الشيباني سلسلة من الزيارات الى البلدان العربية، وخاصة الخليجية منها والمجاورة، ( السعودية، الإمارات، عمان، الكويت، لبنان،  البحرين، العراق، مصر، الأردن، قطر)  وأجرى العديد من المباحثات، حول مستقبل العلاقات العربية- السورية، وأهمية التعاون المشترك بما يساهم في استقرار المنطقة، وإعادة إعمار سوريا، وهو ما كان استكمالاً لاستقباله وفوداً عربية وغربية متنوعة في دمشق.  وفي هذا الشأن يوضح كويفي أن موقع سورية الجيوسياسي المهم وبعد نهاية عهود الاستبداد والبدء في بناء سورية الجديدة ، بدأت تتشكل فرصة تاريخية لعودتها إلى محيطها الطبيعي كدولة لا تشكل تهديداً لجوارها، بل شريكا إقليمياً ودولياً في معادلة الأمن والسلم الدولي وتعزيز التوازن والاستقرار والتنمية المستدامة في المنطقة.

ويشير الى أن البلاد شهدت تطورات سياسية مهمة، على الصعيد الخارجي والسياسات الدبلوماسية، حيث نجحت حكومة الرئيس الشرع في كسر العزلة مع دول العالم وعلى الأخص الغرب، وتمكنت من بناء جسور تواصل مباشر بمساع حميدة من السعودية وتركيا ودول الخليج مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، ساهمت في وقف العقوبات المفروضة على سورية بشكل كبير بما يعزز الاستقرار والتنمية والنهوض.

وعلى المستوى الدولي، عملت الدبلوماسية السورية الجديدة على مدار سنة، على تقريب وجهات النظر، وتصدير صورة جديدة مخالفة للصورة التي رسمها النظام السابق، بما يؤسس لسياسة بعيدة عن التحالفات والمناكفات، ما أثمر عن تقارب سوري- أميركي حيث  سارعت الولايات المتحدة إلى التعامل بإيجابية مع التغيير الحاصل في سورية، وأرسلت وفودها الدبلوماسية إلى دمشق، وكذلك فعلت كلّ من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وأوكرانيا، وأبدت دول الغرب استعدادها للتعاون، أثمر عن رفع  أميركي جزئي ومؤقّت للعقوبات الاقتصادية على سورية، في انتظار رفع تلك العقوبات عن الدولة السورية وقطاعاتها الحيوية، كذلك رفع اسم”هيئة تحرير الشام” والرئيس أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب من قائمة العقوبات في مجلس الأمن، ليكون الحدث الأبرز مشاركة الرئيس الشرع في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في دورتها الثمانين، وفي مؤتمر قمة المناخ (COP30) في البرازيل في تشرين الثاني الماضي، وزيارة واشنطن لاحقاً ولقاؤه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض.

يقول الباحث كويفي ” لقد ساهمت الجهود الدبلوماسية الكبيرة التي قامت بها وزارة الخارجية في كسر الجليد بالعلاقات السياسية والديبلوماسية بين سورية ومعظم دول العالم، وتواصلت الزيارات المتبادلة بين مسؤولين ووزراء خارجية من الاتحاد الأوروبي والغرب عموماً وأمريكا بشكل خاص إلى دمشق منذ التحرير، ومقابلة السيد الرئيس أحمد الشرع والسيد أسعد الشيباني لعدة مرات، واعتقد أنهم لمسوا تغييراً جوهرياً في السياسات السورية المستقبلية، ما يعيد سوريا محوراً رئيسياً في استقرار المنطقة، كما أن الزيارات المتبادلة لم تقتصر على الغرب فقط بل كانت هناك زيارات للدول العربية ودول الشرق وعلى الأخص الدول التي لها ثقل سياسي في مجلس الأمن الدولي وتحمل في ملفاتها الشأن السوري ( روسيا – الصين ..) وبالتالي فقد انفتحت المسارات السياسية وفق المصالح المشتركة للمحافظة على وحدة سوريا وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

ويتابع:” توجت الزيارات في زيارة الرئيس الشرع إلى الولايات المتحدة الأمريكية في زيارة رسمية، ومحادثاته في البيت الأبيض مع الرئيس ترامب، وقد لقيت هذه الزيارة باهتمام إقليمي ودولي واسع، نظراً للتداعيات السياسية والأمنية والاقتصادية المهمة التي تترتب عليها، وخاصة في إطار الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى تثبيت استقرار الأوضاع في سوريا والمنطقة.

قد يرى البعض أن التحولات ليست جذرية أو سريعة، ولكن السياسة الخارجية السورية تحت الإدارة الجديدة بدت أكثر واقعية، وأكثر اتساقاً مع طبيعة التحديات الإقليمية والدولية، إنها دبلوماسية “استعادة الدور” ببطء، لكنها تمضي بثبات نحو إعادة تموضع سوريا في خريطة الشرق الأوسط.

يختم كويفي بالقول:” بعد سنوات من النزاع والحرب دامت 14 عاماً والعزلة الدولية والحصار الاقتصادي.. تسعى سوريا وحكومتها حالياً إلى تأمين تمويلات لإعادة الإعمار التي قدّر البنك الدولي كلفتها بأكثر من 216 مليار دولار، ولكن في الوقت ذاته، تواجه سوريا بعد عام من التغيير عدداً من التحديات فالسياق الإقليمي والدولي المعقد يبقي المشهد السوري حساساً للتأثيرات الخارجية محفوفاً بالمخاطر الامنية والجيوسياسية، كما أن الإرث التشريعي والإداري من المعوقات الكبيرة، إذا لم يتم تعديله وفق قوانين جديدة وعصرية”.

منذر عيد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock