مقالات وآراء

عن الأرثوذكسية الأوروبية والرأسمالية المتوحشة والاشتراكية المنسيّة: عالم ما بعد الـ«كورونا»

بقلم : فراس عزيز ديب

في وقت تنشغلُ فيه مراكز الأبحاث العلمية والطبية باكتشاف علاج أو لقاح لفيروس «كورونا»، فإن على مراكز الأبحاث السياسية الانشغال بطرح الكثير من التساؤلات غير الطبية الناتجة عن هذه الأزمة العالمية والتي يمكننا اختصارها بعبارة: ماذا بعد الـ«كورونا»؟!
قيل وحُكي الكثير عن انكشاف الترهل والوهن الذي تعانيه المنظومة الدولية بشكل عام والتي حدّت من قدرتها على مواجهة الكارثة، لكن هذا الكلام ليس عمومياً فإن قلنا: إن المنظومة الأخلاقية سقطت عند من منعوا المساعدات حتى عن جيرانهم وشركائهم وما زالوا يفرضون عقوبات أحادية على شعوب بكاملها كالشعب السوري، فإن هناك مارداً صينياً رفع شعار«نحن كالأوراق في شجرة واحدة» وأرسلوا فرقاً للدول التي تطلب الاستعانة بخبراتهم في التصدي لتفشي الفيروس، على هذا الأساس لابدّ لنا من تلخيص السؤال بصورة أعمق: ماذا بعد انكشاف ترهل الرأسمالية المتوحشة؟
للإجابة على هذا السؤال لابد من النظر لفكرتين مهمتين تقاطعتا مع سياق الأحداث خلال الأسبوع المنصرم:
أولاً: عندما ينطق الرئيس الصربي بنصف الحقيقة، إنها لم تكُن المرة الأولى التي تشتكي فيها صربيا من الخذلان الأوروبي وحُكماً لن تكون الأخيرة، هذه الدولة التي تبدو منبوذة أوروبياً لأسباب لا تتعلّق بمنظومتها بقدر ما تتعلّق بالطريقة التي تفكّر بها المنظومة الأوروبية والتي خدعت لعقود طويلة أولئك المعجبين بها.
القضية أبعد بكثير من فرضية المماطلة بانضمام هذه الدولة إلى الاتحاد الأوروبي، إذ لا يمكن لعاقل أن يقتنع بأن الاتحاد الأوروبي يريد محاربة الصين بمنع دخول بضائعها للسوق الصربية، أو محاربة روسيا بالاشتراط على صربيا إلغاء جميع اتفاقيات التجارة الحرة الموقعة مع دول خارج منظومة الاتحاد وهي أساساً لا تمتلك إلا معاهدة واحدة ومع روسيا، القضية في مكان آخر تماماً هذا المكان يدفعنا أولاً للقول: إن ما قالهُ الرئيس الصربي ألكسندر فوجيتش عن خذلان أوروبي لهم ومنعهم حتى من أبسط المساعدات كان للأسف نصف الحقيقة التي تدفعنا للتساؤل: من ذا الذي يصدّقُ بأن تلك المنظومة تحكُمها العقلية الطائفية؟
كانت أوروبا الكاثوليكية ولا تزال ترى في كلّ من اليونان وصربيا بؤراً أرثوذوكسية هي نوعٌ من الاستمرارية للمدّ الروسي، تحديداً بعد تحجيم دور الكنيسة الكاثوليكية والتي لم يبق من جوهر تعاليمها إلا ما نذر بعد أن أغرقها الساسة في بحار ملوثة بالدماء والشذوذ، فاليونان التي ذاقت الويلات من أزمتها الاقتصادية هُدّدت إن هي فتحت الباب مشرّعاً على المساعدات الروسية، أما صربيا فهم يسيرون معها بذات السياق الذي يسيرون به مع الملف التركي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مماطلة ووعود والنتيجة محسومة: لا نريد فلاديمير بوتين في قلب أوروبا.
ربما يبالغ كثيراً من يظن أن الغرب تجاوز حالة «الصراع المذهبي»، وأن إعادة الحديث عنه لربما ضرب من الجنون، لكن على العكس فالجنون هو ما يجري، الجنون هو ألا نرى أمامنا كل هذا الجنون، هذه الصراعات التي لا يزال هناك من يغضّ الطرف عنها معتقداً أن الحروب الطائفية هي حكر على ذاك الشرق البائس، لكن ما يتجاهلونه بأن هذه الصراعات في الدول التي لا تستخدم الوسائل التقليدية في الحروب قد تأخذُ مناح أقسى على المجتمعات المتطورة، هل من عاقل يتجاهل الأسباب الحقيقية لإصرار البريطانيين على ترك الجنّة الأوروبية؟! هل فعلاً أن حرب المئة عام لا ذيول لها؟ جميعها تساؤلات تبدو اليوم لمن يقرأها مجرد نكت سمجة كيف لا وهو يرى أن زمن «الحروب المقدسة» قد ولّى، لكن ماذا لو عاد بنا الزمن عقداً من الزمن وتساءلنا: هل يمكن للمطارات الأوروبية أن تصل إلى يوم تبدو فيه خاوية على عروشها؟
هناك من كان سيضحك على هذا السؤال تماماً كما أن هناك من يضحك اليوم على إخفاق المنظومة الأوروبية بتجميل الانقسام لكن الزمن كان كفيلاً بوضع العبارات في مكانها: لا مستحيل في هذا العالم، وبمعنى آخر تبدو أوروبا اليوم أشبه بمن اتخذ القرار بتطبيق نظام الصحة الحربي لكن ليس على الشعب بل على الدول، أي إن أنانية الرأسمالية الموحشة ستدفعها وسط هذا الانقسام للتخلص من الأضعف ولتذهب القيم الأخلاقية إلى الجحيم لتعود في انتقائيتها واصطفائها إلى ما هو أسوأ من عصور الحروب المقدسة.
ثانياً: أسعار النفط، فقد لاقى الهبوط الحاد في أسعار النفط الكثير من ردّات الفعل المتضاربة، لكن في الحالة العادية قد يبدو انخفاض السعر مرتبط بانخفاض الطلب تحديداً أن دولاً بكاملها توقفت تقريباً لديها الدورة الاقتصادية، لكن هناك توجه عند الرأسمالية المتوحشة لإظهار هذا الأمر كجزء من الحرب الناعمة التي تجري، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب ربط القضية بشكل مباشر بالقرار الأميركي عندما اعتبر أن الوقت لم يحن بعد لكي يتدخل مهدداً الروس بالمزيد من العقوبات، لكن الجواب الروسي وضع النقاط على الحروف عندما اعتبر أن ما من حرب نفطية مع السعودية.
ربما تكثر الترجيحات في الأسباب الحقيقية لإصرار السعودية على التشبث بكميات الإنتاج الحالية، هي حكماً لا تستطيع مجابهة الروس فالأرقام لا تكذب وحسب الكثير من المراجع اليومية الاقتصادية فإن الروس قادرون على الصمود لسنوات بسعر برميل لا يتجاوز 30 دولاراً، أما السعودية فهي بحاجة لسعر وسطي لا ينزل عن 60 دولاراً، هذه الأرقام قد تدفعنا للاعتقاد بأن المملكة تذهب اقتصادياً نحو مهلكة لكن ماذا لو حاولنا التفكير بطريقة مختلفة، وبمعنى آخر: هل تصح التقارير التي ترجّح تفاهماً «روسياً سعودياً» يسعى لاستغلال الأزمة بالضرب على المشاريع التكنولوجية الأوروبية الصديقة للبيئة والتي ستسهم مستقبلاً بتراجع الطلب على النفط وفي مقدمتها صناعة السيارات؟
احتمال لا يمكن استبعاده بأي حال من الأحوال لأن النهوض من الأزمة الحالية سيتطلب لدى الاقتصاديات المتضررة التركيز على الأولويات للجم الخسائر، كما أنه احتمالٌ، إن صدق أو لا، لكنه ببساطة يفتح الباب مشرّعاً على الواقع الاقتصادي الذي سنستيقظ عليه عشية إعلان الانتصار على فيروس «كورونا» والذي سيكون أحد أهم محدّدات شكل النظام العالمي القادم، مع الأخذ بعين الاعتبار أن حالة الغرور التي طبعت لعقود تصرفات الرأسمالية المتوحشة تبدو اليوم في حال انكشاف بطيء لا يُعرف مداه لأن الخسائر تبدو مفتوحة، لنأخذ مثالاً بسيطاً قد لا يُشكل أكثر من جزء يسير من الفيروسات التي تصيب الرأسمالية المتوحشة، إذ قُدرت خسائر الدوري الإنكليزي وحده إن طالت الأزمة حتى نهاية حزيران القادم بحدود 750 مليون جنيه إسترليني، هذا عدا عن الخسائر طويلة الأمد المرتبطة بسياسة التعاقدات وتبني المواهب للأندية الكبرى، هذا جزءٌ يسير لم نتعداه للتساؤلات الأكثر عمقاً: ماذا عن الاقتصاد الفرنسي من دون موارد القطاع السياحي؟
ربما يمكننا توصيف الحالة الاقتصادية للرأسمالية المتوحشة بعد تجلي إخفاق سياسة «الحدود المفتوحة» من خلال واقع مجتمعنا وبمعنى آخر: هم اليوم كمن كانوا عدة عائلات تعيشُ في منزل كبير وكل عائلة تشتري بعض الاحتياجات ليتشاركها الجميع، فجأة قررت تلك العائلات الانعزال والانكفاء ليكتشفوا حجم ما لديهم من نواقص ووهم، فماذا ينتظرنا؟
في العام 2015 منع الروس مجلس الأمن من اعتماد قرار يدين الصرب بمذبحة «سربرينيتشا» وتصنيفها كجريمة إبادة جماعية، يومها ظن الجميع بأن الروس يفكرون فقط باستفزاز الرأسمالية المتوحشة، لكن الحقيقة بدت في مكان آخر تماماً قالها يوماً صمويل هنتغتون في «صدام الحضارات» عندما بشّر بصعود ما يُسمى الكتلة «الدينية الشرقية»، التي تربط بين روسيا وصربيا واليونان.
إن هذا الصعود وصولاً إلى الربط لا يحتاج فقط للوقت كي يتجسّد، لكنه بذات الوقت يحتاج إلى الانقسامات الناتجة عن الأزمات لتظهر حقيقة التحالفات والشعارات الرنانة التي انكفأت عند أول أزمة حقيقية نحو الأنانية المفرطة حتى في التعاطي الإنساني، وعلى الدول التي كانت ولا تزال ترى بهذه الرأسمالية المتوحشة الأم الرؤوم أن تفكر بالأسباب التي جعلت الصين تبدأ بتجاوز المحنة دونما استنجاد بأحد، ليس أولئك فقط من عليهم الاتعاظ بل من تخلى بطريقة غريبة عن المبادئ الاشتراكية التي كانت ولا تزال صمام أمان للدول والشعوب وقت الأزمات، والاشتراكية القائمة في الصين خير دليل على ذلك، أما من رفعوا شعار «السياسة بلا أخلاق» فليشاهدوا الوفد الطبي الصيني في إيطاليا ليعرفوا أن السياسة بلا أخلاق عند من لا يمتلكون الأخلاق أساساً من مبدأ «فاقد الشيء لا يعطيه»، ربما يمكننا القول ببساطة: شكراً فيروس «كورونا»، لأنك وفرت علينا عقوداً من الوقت حتى نثبت ما تمكنت من إثباته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock