مقالات وآراء

عن الشرق البائس وزيارة زيلنسكي إلى البيت الأبيض.. رسائل ميلادية بالحديد والنار!

| فراس عزيز ديب

هكذا مرَّ انتظار عودة هدايا «بابا نويل» السياسية مرور الكرام، إما لأنه باتَ أسيراً للأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الدول التي ابتكرتهُ واستبدلتهُ بالمدلولِ المعنوي للميلاد، أو لأن الرصاص المتنَاثرَ في الاتجاهات الأربعة عبر العالم الملتهب منعتهُ من التحليق بحرية، بل وحرمت أطفال العالم حتى من مجردِ أملٍ بأن سلاماً ما سيلقي بظلالهِ قريباً، فانتهى «نويل» من دون ميلادِ هدايا مفاجِئة على المستوى السياسي تحمل آلامَ هذه الشعوب نحو الخلاص، وبقيت الرسائل الأكثر وضوحاً هي رسائل الحديدِ والنار، الجوع والحصار، القتل بالشعارات والمتاجرة بها هي التي ستحكم العالم في الأشهر الأولى من العام القادم، فكيف ذلك؟

في الرسالةِ الأولى، لم تكن الزيارة التي قامَ بها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي إلى البيت الأبيض ولقائهِ الرئيس الأميركي جو بايدن أكثر من تأكيدِ المؤكد بأن أميركا ستحارب الروس حتى آخر أوكراني، لمَ لا؟ عندما تكون الولايات المتحدة في وضعيةِ القادر على التحكمِ بكلِّ المعارك دون أن تُضرب رصاصة واحدة، ربما أن هذه الزيارة لا تضيف شيئاً لواقعِ أن الولايات المتحدة تعتبِر الحرب في أوكرانية حربها وفرصة لن تتكررَ لحشرِ الروس أكثر فأكثر على كل الصعد، لكنها بالوقت ذاته تبدو إضافة معنوية مهمة لحكم الرئيس زيلنسكي ربما كان يحتاجها بعدَ أن دخلَ مرحلة حرجة من التصريحات التي تُطالب بالمساعدات هنا والمبالغ الضخمة هناك وصولاً إلى منازلة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وجهاً لوجه في حلبة رياضية، كل هذا التهريج يجري والشعب الأوكراني وحده يدفع الثمن، هل يجرؤ نظام زيلنسكي على التصريح بأعداد الأطباء والمهندسين ورجال الأعمال الذي غادروا البلاد لتتلقفهم الدول الأوروبية حتى باتت بعض المناطق تخلو من تلك الكوادر؟!

لكن هناك من يقول إن هذهِ الزيارة تبدو عملياً مهمة على صعيدِ تبليغ الأميركيين للرئيس زيلنسكي بواقع المفاوضات تحت الطاولة التي جرت مع الروس والتي تتضمن نقاطاً مهمة لابد من قبولهِ بها للانتقال نحو الحل النهائي من دونَ ضمانات باستعادةِ أوكرانيا لكل المناطق المُنضمة حديثاً إلى السيادةِ الروسية، أليسَ هذا الاحتمال قد يكون فرصة لعودة السلام؟

كان من الممكن أن يكون هذا الاحتمال قائماً لكن دعونا نعد للزيارة التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى مركز «تولا» للصناعاتِ الحربية عشيةَ لقاء زيلنسكي ببايدن، كان منطقياً بأن يطلب بوتين من القائمين على المجمع بذلَ الجهود في سبيلِ ضمان وصول الإمدادات العسكرية للقوات على الأرض، بل إن هذا الطلب أعطى بشكلٍ غيرِ مباشر الضوء الأخضر لاستمراريةِ المعارك واحتدامها في الأسابيع القادمة، لكن اللافت هذه المرة كان حديث بوتين الواضح والصريح عن العمل على «تحسين النوعية والخصائص التي يتمتع بها كل سلاح انطلاقاً من الخبرات التي كسبها المقاتلون على الأرض»، عبارة تستحق الوقوف عندها كثيراً، هل إخفاق السلاح الروسي فعلياً بحسم الكثير من المواجهات نتيجة لترهل هذه المنظومات أم نتيجة لأخطاء استخباراتية بتحديد مكامن قوة الطرف الآخر بالرغمِ من أن هذا الطرف هو جار قريب! هل أن الروس أخذوا الكثير من الوقت حتى فهموا بأنهم لن يحسموا المعركة بسلاح الثمانينات لأنهم سيواجهون الناتو على الأرض وليس السلاح الأوكراني؟ أياً تكن الأمور إلا أن فكرة اللا حسم في الكثير من المواقف تأتي بنتائج سلبية ستنعكس على باقي الملفات، على هذا الأساس لا خلاص لهذهِ الحرب إلا بسقوط إحدى العاصمتين إما كييف أو موسكو!

في الرسالةِ الثانية وهي التي تجعلنا نوسِّع الحلقة بالابتعادِ عن كرة النار المشتعلة عسكرياً واقتصادياً في أوكرانيا ونذهب إلى حيثُ المتأثرينَ بها، نبدأ بالقارةِ الأوروبية المتأثر الأكبر اقتصادياً والتي تبدو اليوم عاجزة عن لعبِ أي دورٍ حتى على مستوى الوساطة لإنقاذِ نفسها قبل التفكير بإنقاذِ الأوكرانيين واللبنانيين والأكراد! هذا الوهن الأوروبي حيالَ ما يجري عبَّرَ عنهُ أحد المواطنين تعليقاً على الصورةِ التي جمعت بريجيت ماكرون زوجة الرئيس إيمانويل ماكرون بأولينا زيلينسكا زوجة الرئيس الأوكراني خلالَ زيارتها الأخيرة قبل أيام إلى العاصمة باريس بالقول: أرسل زوجتهُ إلى فرنسا لتتسوق المساعدات وذهبَ إلى أميركا يتوسل الحل، يبدو بأنه يعرف مدى تأثيرنا! حال هذا المواطن يحكي الكثير من الذي يقوله المواطن الفرنسي اليوم، الأغلبية ترى بأنها ليست حربهم ولا يعرفون عن أوكرانيا ما يجعلهم يدفعون كل هذهِ الأثمان من ارتفاع الأسعار وشح المحروقات، بعضهم ذهب ليقارن ثمنَ ما ترتديهِ «سيدة أوكرانيا الأولى» التي من المفترض بأنها قادمة من الحرب بمثيلاتها من سيدات أعمال فرنسيات، هذه التعابير توضح اقتناع الكثير من الأوروبيين بأن هذهِ الدول باتت عبارة عن صندوقِ مالٍ مفتوح لا أكثر طالما أن هذهِ الحرب لن تتوقف مهما حاول السياسيون اصطناعَ بطولات وهمية في ملفاتٍ أخرى، كالحديث عن الاحتجاجات التي لم تتوقف في إيران مثلاً! بل إن الأمن الوطني في كل دول العالم محكوم أولاً بالاقتصاد هذا يعني أن استمرار الخلل على المستوى الاقتصادي سيدفع المزيد من الأحداث الأمنية نحو الواجهة، في الأسبوع الماضي كان الدور على ألمانيا، بالأمس قامَ متطرف يميني كما سماه الإعلام الفرنسي بقتلِ وجرحِ عشرة أشخاص قال عنهم الرئيس إيمانويل ماكرون إنهم «أكراد فرنسيون»، ترى لماذا هذا الاستهداف بهذا الوقت ولماذا الحديث عن المنشأ الكردي للضحايا هل من تصديرٍ للأزمة باتَ يتجهز بطريقةٍ عابرة للحدود؟!

على الضفة المقابلة لا يبدو الشرق البائس بصورةٍ أفضل، لكن اللافت اليوم بأن الجميع باتَ يتجاهل كل ما يعانيهِ هذا الشرق من دمارٍ وخراب ومستقبل غامض في كل دوله من دون استثناء ويركز فقط على شكلِ الحكومة التي ستحكم الكيان الصهيوني في السنوات القادمة، حتى تلك الدول التي تظن نفسها أصغر من التقسيم أو التي وقَّعت وطبَّعت أو تلك التي بنت نظاماً سياسياً منغلِقاً بمفاتيح المذهب الواحد بطريقةٍ رجعية، الجميع في مركبٍ واحد لكن إنقاذ هذهِ الدول لنفسها من عدمهِ لا علاقةَ له بشكلِ الحكومة القادمة في الكيان الصهيوني ولا حتى بالانحناء حتى مرور العاصفة، تبدو فكرة ربط أي تحليلٍ عن مستقبل المنطقة بتركيبة الحكومة الإسرائيلية هو تحليل لا معنى لهُ لأنه ببساطةٍ وكأنهُ يقدم لنا وجهين للكيان الصهيوني، وجهاً متطرفاً سيحكم، ووجه حمامة سلام سيكون معارضاً، وهذا مجافٍ تماماً للحقيقة، لا يمكن تعديل أي تحليل لعدوانية هذا الكيان انطلاقاً من تركيبة حكومية لأن الجميع في التطرف واحد لكن ما يجب تحليله فعلياً هو الوضع عندَ الطرف الآخر، فهل ستبقى القيادة الأردنية ترى نفسها ضحية الحلم الصهيوني القديم المتمثِّل بجعل الأردن وطناً بديلاً؟ ألا تدفع هذه الاحتجاجات المُندلعة في المدن الأردنية والتي راح ضحيتها عشرات الأبرياء منذ الأسبوع الأول إعادة التفكير بعدم زج المطالب الشعبية بهكذا اتهامات أياً كان مطلقها سواء أكان مسؤولاً سورياً أم عراقياً أو أردنياً، تحديداً أن أهلنا في الأردن على المستوى الشعبي أثبتوا مراراً وتكراراً بأنهم ضد التطبيع؟

ماذا عن الأزمة الاقتصادية العاصفة التي تضرب مصر؟!

هذه العينات توحي لنا بأن القادم لا يبدو مبشراً بالخير ولا يبدو بأن هذا الشرق البائس سيصبح بين ليلة وضحاها واحة للسلام، هو الحلقة الأصغر في النار المشتعلة عبر القارات، فماذا ينتظرنا؟!

قليل من التفاؤل والكثير من التشاؤم، لكن هناك من قد يسأل سؤالاً منطقياً: وأين سورية من كل هذا؟ هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بسطرين بل إن الوضع في سورية بما فيها العلاقة مع الحلفاء يحتاج إلى جردةِ حسابٍ موضوعية كما تفعل كل الدول في نهاية العام!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن أون لاين

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock