مقالات وآراء

عن الفشل الإعلامي والإخلال بالثوابت: مصر في عين العاصفة!

خلالَ السنواتِ الأخيرة من حكمِ الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، كان هناك برنامج رمضاني يستضيف شخصيات مصرية وعربية للحديثِ عن شهرِ رمضان والقضايا الفنية والثقافية وغيرها، كانت إحدى الحلقات تستضيف اثنين من الصحفيين المشهورين، فكان السؤال الأخير الموجه لكلا الضيفين عن حلمكَ كصحفي في الحياةِ المهنية؟
أجابَ الأول بأن حلمهُ هو الالتقاء بجورج بوش الابن ليسألهُ عن شعورهِ عندما ينظر إلى المرآة ويتذكر ما ارتكبهُ من مجازرَ بحق العراق وأفغانستان؟ أما الثاني فأجابَ كما هي عادة أولئك المراؤُونَ على الشاشاتِ العربية وما أكثرهم حتى يومنا هذا بالقول: أحلم بإجراءِ لقاءٍ صحفي مع جمال مبارك.
يومها كان هناكَ صعود صاروخي لجمال مبارك وكانت عمليةَ تلميعِ صفحته تسير بهدوء، بعد عدةِ أشهرٍ، أجرى ذات الصحفي لقاء مع جمال مبارك، بل وأصبح المرجعية الإعلامية التي لا يُشق لها غبار، كيف لا وقد خصَّه الزعيم المستقبلي لأم الدنيا بمكرمةِ تحقيقِ حلم إجراء لقاءٍ معه!
بعد أشهرٍ من سقوطِ حكم مبارك ونجاح نظام الأخونجي بالسيطرةِ على مجلس النواب والرئاسة، خرج الصحفي ذاته ليبرِّر ويتهربَ من تلكَ المقابلة بعد الاتكالِ على الله والبراءَةَ من أعداء الله والوطن بالقول: إن الأمن المصري هو من أجبرهُ على إجرائها!
اليوم وبعدَ ما يُقال عن دعواتٍ في مصر لتحركاتٍ واحتجاجاتٍ جديدة أو ثورة مضادة على الثورة التي قالوا عنها أساساً إنها مضادة، عادت الذاكرة لحكايةِ الصحفي الذي نكاد نجزم أن مِثالهُ أو أمثلتهِ تتواجد بكل الدول العربية بدون استثناء، لا لنتذكر فقط الحكمة القائلة بأن تكرار ذات التجربة بذات السياق للوصول لذات الهدف هو ضرب من الجنون، لكن لنتذكر كذلك الأمر الأخطاء التي تُرتكب على مستوى استخدام الإعلام كسلاحٍ في الدول العربية، تحديداً إذا ماعلمنا أن هذا الصحفي تمتع بعدها ببرنامج تلفزيوني كوجهٍ مدافعٍ عن السلطة الحاكمة بعدَ أن عاد وانقلب في مواقفهِ من جديد.
يبدو من الأخطاء القاتلة التي ترتكبها أي سلطة حاكمة هو الاعتماد على أوراقٍ محروقة إعلامياً معروفة بتلونها وتسلقها، وربما هذا الخطأ لم ترتكبه فقط القيادة المصرية الحالية، بل هناك العديد من مثيلاتها التي تعيش حالة عدم استقرارٍ تجعلها دائماً هدفاً في عين العاصفة ترتكبه أيضاً، وكأن تلك الدول ببساطة لم تستطع إعادةَ إنتاج تلك القامات الإعلامية التي تستطيع الموازنة بين النقد في المكان الصحيح والدفاع العقلاني الذي لا ينتهج سياسة «كبت المعلومة» أو «التنظير بالصمود والتصدي»، ليصبحوا عبئاً على السلطة التي يطبلون لها، تحديداً عندما يحمل «الصغار» والمتسلقون لقب «إعلاميين».
بدت القيادة المصرية عاجزة عن ابتداعِ سياسةٍ إعلامية توازن بين ما يعانيهِ المواطن المصري من مشاكل وبين ما يمكننا تسميتهُ سياسة الترقيع الإعلامي، لدرجةٍ باتت فيها عاجزة حتى عن الصمود إعلامياً بكل ما تمتلكه الدولة من مقوماتٍ إعلامية أمام برنامج بسيط ابتدأ على اليوتيوب واستطاع أن يحصدَ ملايين الإعجابات عبر العالم العربي، فلماذا؟
لأنه أولاً استند للشخصية الموهوبة بغض النظر إن اتفقت معها أو لا، فهذا النوع من البرامج هو سلاح على الجميع أن يمتلكه لأنه قريب من عقول وتفكير الشعوب العربية. بمعزلٍ عن ضحالةِ وسخافةِ طروحاته لكنها حققت النجاح الجماهيري بعكس من يقرر انتهاج هكذا نوع من البرامج لتتدخل المحسوبيات حتى بتحديد من سيتصدى ليقدم هكذا برنامج لتدخل أفكاره الساذجة والسمجة في بوتقةٍ تجعل الجميع يهرب من مشاهدته. أما النقطة الثانية فهي أن الأخطاء في السلطة الحاكمة تقدم لمثل هكذا برامج على سطحيتها المواد الأولية التي تجعلها مستمرة في عملها. على هذا الأساس يبدو أن القيادة المصرية خسرت اللعبة الإعلامية.
حتى الآن لم تلقَ دعوات التحريض الاستجابة المطلوبة، فيما يبدو أن أمر العمليات لن يتوقف، فمن يظن أن تركيا وقطر سترتاحان قبل أن تندلعَ المعارك في ميدان التحرير ورابعة من جديد فربما عاش الوهم، أو ربما عاش في نعيمِ أن الهروب من دلف قطر إلى مزراب مملكةِ القتل السعودية سيقيهِ من الخطر الداهم، والهدف من كل ذلك لا يبدو عملياً إلا صمام الأمان؛ أي الجيش المصري.
لم تكد الحملة على الجيش المصري تتوقف منذ إنصاته لقرار الشعب بإنهاء الحكم الأخونجي، حتى بات مُطارَداً بمواقفهِ وعقيدته، وإن كان من الطبيعي انتظارَ العدو للهفوات ليسجل النقاط، فإنه بدا واضحاً أن هناك مِن قلب القيادة المصرية مَن ساهم عملياً بالإساءة لهذا الجيش وإن كان بدون قصد، فكيف ذلك؟
مطلع العام الحالي خرج الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتصريحاتٍ لتلفزيون «سي بي إس» الأميركي يعلن فيهِ صراحةً عن التعاون بين الجيشين المصري والإسرائيلي في مكافحةِ الإرهاب، تلك التصريحات بدَت تجاوزاً لخطين أحمرين، الأول أنهُ زجٌ للجيشِ المصري رسمياً بمهمة التعاون والتنسيق مع الجيش الإسرائيلي والثاني هو تسويق لفكرة قيامِ إسرائيل بمحاربةِ الإرهاب، هذا يعني أن رئيس أكبرَ دولةٍ عربيةٍ يُعطي إسرائيلصكَّ براءةٍ أساساً عن دعمها للإرهاب، فهل من يقول لعبد الفتاح السيسي أن «جبهة النصرة» المعترَف بها كتنظيمٍ إرهابي في مجلس الأمن الدولي، كان عناصرها يتلقون السلاح والعتاد ويتطببون في المستشفيات الصهيونية في الجنوب السوري؟
الحملة التي استهدفت الجيش المصري كان هدفها نزع الشرعية عنه قبل البدء بأي حراك و إشاعة جو في الشارعين العربي والمصري تنطلق من فرضية التساؤل: لماذا علينا أن نهاجمَ قطر وتركيا لأنهما تقيمان علاقاتٍ علنيةٍ مع إسرائيل، فيما نصمت تجاهَ الجيش المصري الذي ينسق مع جيش العدو، وباعتراف قائده! تحديداً أن اللعب على وتر «القضية الفلسطينية» والمتاجرة بها تجيده جميع التنظيمات أو الأنظمة المتأسلمة.
قد يقول أحدهم ما الفرق إذا كان هذا التعاون قائماً ومفروضاً منذ اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة؟ مقاربةٌ منطقية، لكن عندما تصبح عقيدة الجيش المصري مرتبطة بإمكانية التعاون مع الإسرائيلي في الحرب على الإرهاب، هنا علينا أن نسأَل ما هي العقيدة الجديدة لهذا الجيش؟
هذه السقطة كانت إحدى الشرارات التي أراد الأخوان المجرمون وداعموهم في قطر وتركيا وغيرها استخدامها للبدء بالضرب على «عقيدة الجيش المصري»، لتبدأ معها الحملة المتعلقة بربطِ كل مناحي الفساد التي تضرب قطاعات مصر المدنية بنفوذ الجيش لتنتهي عند ما سموه «انشقاقَ مقاولٍ يعمل بالمشاريع العسكرية» وكشفهِ عن الاختلاسات التي تتم في قطاعات الجيش.
منطقياً كان من الممكن أن تمر حكاية هذا المقاول مرورَ الكرام، تحديداً أن كلامه ومعلوماته تبدو عملياً سطحية لا معنى لها في سياقِ تفنيد مشاكلَ اقتصادية واجتماعية يعاني منها المجتمع المصري منذ عقود، لكن إصرار الحكم المصري الحالي على الانعزال باتجاه الرواق الذي تمثله السعودية فقط، وكثرة الأخطاء على المستويين الإعلامي والأمني جعلا من أتفهِ القضايا تتحول إلى قضية رأيٍ عام قد تساهم بإشعال البلد فماذا ينتظرنا؟
في الإطار العام نحن لا نتدَخل في شؤون الآخرين، على الأقل نمتلك احترامنا لذاتنا قبل احترامنا للآخر فما بالك عندما يكون هذا الآخر دولة بمكانة مصر، الفرق بيننا وبين الآخرين أننا في سورية وإن كنا نعيش أحد أسوأ الفترات على كل المستويات بما فيها الاقتصادية والاجتماعية أو حتى الخدمية إلا أننا تمتعنا بميزة تجعلنا نتحدث من أرضيةٍ صلبة وهي عدم ازدواجية المعايير: في سورية لن تجد أحداً من المتمسكينَ بقدسيةِ جيشهم كجامعٍ وحيد لا يختلف عليهِ السوريون يتعاطى بمكيالين فيشمت بجيشٍ آخر طالتهُ يد الإرهاب الإخواني أو الداعشي، لا فرق. لن تجدَ من بينِ هؤلاء من يعتبر الإخوان المسلمين في سورية خطراً على البناء والإنسانية لكنه بنفس الوقت سيحيي جهودهم في قتل عناصر الجيش المصري فقط لأنه مثلاً لا يحب القيادة المصرية الحالية، لن تجد من يرى في الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الشر المطلق وبذات الوقت سيقف معه لأنهُ ضد مصر.
في سورية لن نكيلَ إلا بمكيالٍ واحد هو الثوابت التي تربت عليها أجيال كاملة، ثوابتٌ لا علاقةَ لها بالوحدة السابقة بين البلدين؛ فكثر منا قد لا تعنيهم الوحدة مع مصر وربما يرون في ميزانِ الأخطاء أن الوحدة أخطأت أكثر بكثيرٍ مما فادت، ثوابتٌ قد لا تكون متصلة إطلاقاً بما له علاقة بمصطلح العلاقات الرسمية أو الأخوية فلا أشقاء إلا الشعوب، ولأننا لازلنا عند ثوابتنا نقول باختصار: حراكٌ تدعمه قطر وتركيا وتسعى لاستجلاب الأخوان المجرمين كسلطة حاكمة، حراكٌ لا يبدأ بمعاملة سفارة الكيان الصهيوني كما هي سفارتا قطر وتركيا سنقفُ على الضفة المقابلة له دونما مواربة، وسنكون عوناً للشعب المصري الذي نحب وبادلنا ذات الحب، هكذا يكون الموقف الثابت وليس المتقلب، فهل هناك من يتعظ من دروس الآخرين؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock