مقالات وآراء

قانون تجريم التعذيب وإعلاء شأن المواطنة قبل أي اعتبارٍ

أولاً: كانَ لافتاً بأن إذاعةَ نص القانون أرجعت صدورهُ إلى «ما يتوافق مع الالتزامات الدستورية للدولة التي تحرّم التعذيب، ومع أحكام اتفاقية مناهضة التعذيب التي سبق وأن صدّقت عليها الجمهورية العربية السورية»، هذا يعني بأن القانون لا يحتاج إلى مراجعةٍ لدستوريتهِ فهو أساساً جاء ليكمِّل النص الدستوري، حيث تقول الفقرة الثانية من المادة الثالثة والخمسين من الدستور: «لا يجوز تعذيب أحد أو معاملته معاملة مهينة ويحدِّد القانون عقابَ من يفعل ذلك»، لكن ما فائدة تأكيد أن القانون مستلهم من الدستور السوري؟

منذُ صدورِ القانون دأَبَت الكثير من المواقع المعادية لكل خطوة تخطوها الدولة السورية نحو الأمام في مجالِ التشريعات والقوانين للحديثِ عن أن صدور هذا القانون كانَ نتاج ضغوطٍ دوليةٍ مورست على ما يسمونهُ «النظام السوري» لإقرارهِ، كان الهدف من هذهِ الأكاذيب اللعب على وترَين، الوتر الأول التأكيد الضمني على فكرةِ وجود التعذيب في سورية كسياسة ممنهجة تتخذها السلطات التنفيذية بحقِ مواطنيها وتحمي مرتكبيها، أما الوتر الثاني فهو إعادة استنساخ فكرةَ تحول من قتلوا الأبرياء في هذا العالم إلى حريصين على الشعب السوري أكثر من قيادته!

هنا تبدو هذهِ المغالطات تكراراً غبياً للحملات الإعلامية التي لم تتوقف، هؤلاء لم يستطيعوا حتى الآن التمييز بين فكرة وجود التعذيب بقوانين شرعية تنفذه السلطات التنفيذية، وبين وجود بعض ضعاف النفوس الذين يتجاوزون صلاحياتهم القانونية أو الوظيفية، هذا الأمر موجود في كل دول العالم ولو أردنا اتخاذ هذا الأمر كدليلٍ قطعي على تجريمِ السلطات في هذا البلد أو ذاك كان لزاماً علينا إدانة كل دول العالم من دون استثناء، ألم تتحدث عائلة الإرهابي مجدي نعمة الناطق الرسمي السابق في فصيل «جيش الإسلام» والمعروف بـ«إسلام علوش» عن قيام الشرطة الفرنسية بتعذيبهِ؟ ماذا عن الدول الأوروبية التي سمحت بمرور طائرات أميركية فيها معتقلون يتم السفر بهم إلى دولٍ تتغاضى عن التعذيب كبولندا، لاستجوابهم هناكَ؟ نحن هنا لا نقارِن التعذيب بالتعذيب، لكن بالمقياس ذاته هل يمكننا القول إن هذه الدول تُجيز التعذيب وتشرعنه أم أنها تجاوزات فردية؟ إذن القانون سوري، بإرادةٍ سورية مستمدة من الدستور السوري.

ثانياً: كانَ لافتاً بأن مواد القانون من الثالثة حتى السابعة تحدثت بلغةٍ مغلقة ومُحكمة عن نتائج القيام بهذا الجرم، فالاعترافات التي تنتج عن التعذيب لا يُمكن الاعتداد بها بل وتصبح دليلاً على وقوع التعذيب، وهو إثبات جديد على أن ما قبل هذا القانون ليسَ كما بعده في طريقةِ التعاطي مع فكرةِ التعذيب، أما النقطة الأهم وهو ما وردَ في المادة السابعة عن ضمان حق «الضحية» بالتقاضي ضد من مارسَ معه هذا الفعل، حيث يضمن القانون حمايةَ المدَّعي والشهود وكل من قد يقع عليهِ الضرر نتيجة لتداخلهِ بهذه القضية، هذا يعني ببساطةٍ أن هذه الجرائم لا يمكن لها أن تسقطَ بالتقادم مع ضمان الضحية حق التقاضي لكن هناك من يُعيد طرح السؤال الأهم: كيف سيثبت الضحية تعرضه للتعذيب وهو رهن الاعتقال؟

هذا السؤال يبدو منطقياً، والجواب عليهِ يبدو سهلاً لأنه ببساطة لا يحتاج إلا لقيامِ السلطات القضائية بالتعاطي بانسيابيةٍ أكثر مع القضايا المتراكمة، تحديداً أن إثبات نوعٍ كهذا من الجرائم يحتاج إلى السماح لمحامي الضحية الالتقاءَ بهِ والنظرَ سريعاً بطلبِ إحالتهِ إلى الطبابةِ الشرعية لإثبات تعرضهِ للتعذيب من عدمهِ، تحديداً أن دور السلطات القضائية كذلك الأمر ضمان حق العاملين في سلك الشرطة وغيرها من الاتهامات الباطلة، إذ إن هناك حالات كثيرة على مستوى العالم سجّلت قيام المجرم بإيذاءِ نفسهِ لادِّعاءِ تعرضهِ للتعذيب، هنا نبدو فعلياً بحاجةٍ لجهاز قضائي يتعاطى مع القضايا بالكثير من الرشاقة العملية والخروج من الروتين الذي فرضه سابقاً وجود قانون الطوارئ، لأن بقاء المتهم حبيس السجن للحؤول من دون تأكيد تعرضهِ للتعذيب من عدمهِ أو الانتظار حتى زوال هذهِ الآثار، هو ليسَ مشاركة غير مباشرة في الجرمِ فحسب، لكنه بالوقت ذاته مخالفة دستورية وقانونية، وهي فرصة لنعيد التذكير بالمشكلة الأهم التي ما زلنا نعاني منها في سورية والمتمثلة بجلب المتهم يوم الخميس وتركهِ رهنَ الاعتقال بذريعة «العطلة الأسبوعية» حتى صباح أول يوم عمل، حتى لو كانت تهمته بسيطة كمنشور فيسبوكي مسيء لأحد المتنفذين أو غيرها، لسنا ضد محاكمة كل من يسيء، لكن لا يُعقل أن يسجنَ الشخص ليومين حتى يتم استجوابه بقضية بسيطة كهذه، لسنا نحن من يقول ذلك لكن الدستور الذي نستمد منه هذه القوانين هو من يقول ذلك.

ثالثاً: تبدو مقدمة القانون التي وصَّفَت التعذيب وقد تجاوزَت العلاقة بين الدولةِ والمواطن لتصلَ إلى العلاقة بين المواطنين أنفسهم «كما يشمل الأفعال التي تقع من قبل شخص أو جماعة تحقيقاً لمآرب شخصية أو مادية أو سياسية بقصدِ الثأر أو الانتقام»، تبدو هذه الشمولية نقطة إيجابية مهمة تُعيد توصيف هذا الجُرم بالاستناد إلى ما نعانيهِ من رواسب هذه الحرب اللعينة، الفكرة لا تقف فقط عندَ قيام أحد الزوجين بتعذيب الأبناء أو أبناء الزوج ولا حتى الزوجة نفسها، نحن نتحدث هنا عما هو أهم، حيث لا يَخفى على أحد انتشارَ ظاهرة الخطف والتعذيب للمواطنين، تقوم بها جماعات مسلحة خارجة عن القانون بقصدِ الحصول على مكاسبَ مادية أو غير مادية، هذه الظاهرة لا يبدو أنها ستنتهي من دون رادعٍ قوي وصلَ حسب القانون إلى السجن المؤبد حتى الإعدام تبعاً للضحية والتعذيب المُمارس ضدها، بل إن ما يجب على بعض من يمتهن هذه المهنة إدراكهُ اليوم هو أن هذا الفعل لا يسقط بالتقادم، ولا يسقط حتى بهروب المجرم خارج الأراضي السورية تحديداً بعدَ عودة سورية إلى نظام الانتربول الدولي، بل أكثر من ذلك، لا يمكن للمجرم اليوم الهارب خارج سورية ادعاءَ أن المذكرة الحمراء الصادرة بحقِّهِ هي «نتيجة مواقف سياسية» لكون جرم الخطف والتعذيب يمتلك ضحية وشهوداً وهو ما يُغلق الباب أمام كل من يتورط بقضايا كهذه حتى لو عبر الحدود.

في الخلاصة: شكراً لمن وقَّعَ مرسوم هذا القانون، لأننا عملياًسنشهد نقطةَ تحولٍ في الكثير من المفاهيم القضائية المرتبطة بحقوق الإنسان، لكن تبقى العبرة في تطبيقه، وإن كنا نثق بأن هذا القانون سيطبق بحذافيره فكلنا أمل بأن القادم سيحمل معه الكثير من الإنجازات على مستوى الإصلاح القضائي وغير القضائي التي تُعلي شأنَ المواطنة قبل أي اعتبارٍ أو تمييز، ونكرر لسنا نحن من نقول ذلك.. المادة التاسعة عشرة من الدستور هي من تقول: يقوم المجتمع في الجمهورية العربية السورية على أساس التضامن والتكافل واحترام مبادئ العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة وصيانة الكرامة الإنسانية لكل فرد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن أون لاين

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock