مقالات وآراء

لا سفير ولا سفارة

البخاري افتتح المؤتمر بكلمة شدد فيها على حرص قيادة المملكة السعودية على وحدة وأمن واستقرار وهوية لبنان العربية، ومما قاله: إن الأهم في هذا التوقيت هو أن نحافظ على الوفاق الوطني الذي هو تجسيد لمرحلة مر بها لبنان وشعبه الشقيق، وبجهود ورعاية خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز رحمه الله، تكللت بمخرج يعكس الحفاظ على أمن واستقرار لبنان وهو اتفاق الطائف.

البخاري أضاف: إننا اليوم في أمس الحاجة لتجسيد صيغة العيش المشترك في ركائزها الأساسية التي عالجها اتفاق الطائف، وخاصة في تحديد محورية الكيان اللبناني والحفاظ على هوية لبنان وعروبته، منهياً كلامه بالقول: نحن نعوّل دائماً على حكمة القادة في لبنان وعلى تطلعات الشعب اللبناني الذي يسعى دائماً للعيش بأمن واستقرار.

المنتدى الذي شهد جلسات ومداخلات حوارية سريعة بين بعض الشخصيات، طرحت بعض الملاحظات والتساؤلات حول توقيته المتزامن مع شغور في سدة الرئاسة الأولى، وعجز المجلس النيابي عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلفاً للرئيس ميشال عون، وخصوصاً أن المملكة السعودية كانت قد أعلنت عن إغلاق الأبواب بوجه المسؤولين اللبنانيين، وأنها لا ترغب في التعاطي في الشأن اللبناني، وهنا يبرز السؤال هل قررت السعودية العودة إلى لبنان من باب مهرجان اتفاق الطائف، بعد فشلها في الرهان على قاتل الرئيس رشيد كرامي بإحداث تغيير في الموازين على الساحة اللبنانية؟

من الملاحظات

– دعوة السعودية للحفاظ على صيغة العيش المشترك تتنافى مع تغييب ممثلين عن شريحة كبيرة في لبنان، وتقصّد دعوة رجلي دين معارضين للثنائي الشيعي، ظهرا في الصف الأول، وهو ما أثار الأسئلة عن طبيعة الدعوات واستثناء حزب اللـه من الدعوة لحضور المؤتمر.

– عدم توجيه الدعوة إلى الجمهورية العربية السورية، وهي التي قدمت الدعم والمؤازرة وأسهمت في إنجاز اتفاق الطائف، الذي لولاها لما كان الاتفاق ولا كان لبنان موحداً اليوم.

– غياب رئيس مجلس النواب اللبناني الأسبق حسين الحسيني الذي كان من أبزر المدعوّين إلى المؤتمر، لكنه لم يلبِّ الدعوة، فيما لم توجه الدعوة إلى رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق سليم الحص، الذي يعتبر المساهم الأكبر في صياغة اتفاق الطائف بالاشتراك مع الحسيني، كما لوحظ اعتذار النائبة بهية الحريري عن الحضور وغياب رئيس وزراء لبنان الأسبق سعد الحريري.

– تغييب شخصيات نيابية عن الحضور كان لها الأثر والدور الكبير خلال انعقاد مؤتمر الطائف في السعودية، كالنائب زاهر الخطيب، فيما دعي بعض النواب الحديثي العهد السياسي الذين ولدوا بعد إنجاز اتفاق الطائف بسنوات.

بعض مداخلات المشاركين في قصر الأونيسكو، أخذ منحى التجني على فريق وازن في لبنان، موجهاً اللوم له في تأخر تنفيذ كامل بنود اتفاق الطائف وأن سببه وجود سلاح خارج إطار الدولة، غامزاً صوب حزب الله، وداعياً إلى سحب السلاح الذي أسهم في تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي في العام 2000 ومنع العدو الصهيوني من فرض خريطة شرق أوسط جديد حسب الصيغة الأميركية في 2006، وهو السلاح الذي أرسى توازن الردع مع العدو الصهيوني، وأسهم في الإنجاز التاريخي المتمثل بإذعان العدو الصهيوني وأميركا والتوقيع على تفاهم الترسيم وبإلغاء الفيتو الأميركي الذي كان مفروضاً على شركات التنقيب، والاعتراف بحق لبنان باستخراج واستثمار ثرواته النفطية.

إن اتفاق الطائف أسهم فعلاً في وقف الحرب في لبنان، لكنه سمح لزعماء الميليشيات مع العناصر التي أسهمت في خراب وتدمير لبنان، بالانخراط والسيطرة على مفاصل الدولة، وهؤلاء هم أنفسهم لم تكن لديهم النية الصادقة في الالتزام بنصوص وثيقة الطائف وتنفيذ كامل بنودها، بل أسهموا في تحويل اتفاق الطائف إلى اتفاق المحاصصة واقتسام المغانم، وأوغلوا في نهب مقدرات الدولة وإفلاسها، وصولاً إلى أسوأ أزمة اقتصادية ومالية وصحية وحياتية وأمنية وقضائية وتشريعية وحكومية ورئاسية كالتي نعيشها اليوم، فصار الوطن أوطاناً ولكل زعيم منطقته الخاصة، وتحول لبنان إلى لبنانات، وغابت المواطنة الحقيقية واغتيل الانتماء والضمير الوطني، وأضحى المواطن يحسد الغابة على شريعتها.

من أهم البنود التي لم تطبق عن عمد في اتفاق الطائف:

* بند إلغاء الطائفية السياسية، الذي يتجاوز الحالة الطائفية المقيتة وأرهقت اللبنانيين ومنعت قيام الدولة العادلة.

* بند إقرار قانون انتخاب جديد قائم على اعتماد المحافظات الخمس الكبرى كدوائر انتخابية تعتمد مبدأ النسبية وخارج القيد الطائفي، وذلك لضمان التمثيل الوطني وليس التمثيل الطائفي المناطقي كما هو حاصل اليوم.

* بند إنشاء مجلس للشيوخ وذلك لتطمين جميع الطوائف المتمثلة في المجلس، وللبت في القضايا المصيرية والطائفية.

* بند إقرار اللامركزية الإدارية وذلك ضماناً لتسهيل أمور المواطن وتطوير عمل المجالس البلدية المحلية، لكن مع إبقاء الارتباط المركزي بالدولة لجهة القرار السياسي والمالي.

صحيح أن معظم المسؤولين في لبنان ينادون بالالتزام ببنود الطائف، لكنهم يتعمدون تعطيل بعض بنوده وخصوصاً البنود الآنفة الذكر، وذلك حفاظاً على مكتسبات طائفية وحزبية وشخصية، أولئك هم أنفسهم نجحوا في خرق الميثاقية ومارسوا العمل الحكومي والرئاسي خارج إطار وثيقة الدستور اللبناني في العام 2008، ومنهم من فصّل قانون انتخابات نيابية على مقاسه الطائفي، سمي بالقانون الأرثوذكسي، وهو القانون الذي زاد من الانقسام الطائفي والمذهبي وصار النائب يمثل طائفة في شارع أو زاروب، على عكس ما نص عليه اتفاق الطائف، وهناك من حاول ولم يزل يحاول ممارسة خرق وثيقة الطائف بالدعوة إلى استرجاع صلاحيات رئيس الجمهورية المسيحي والعودة إلى صيغة 1943 أي إلى ما قبل الطائف متحججاً بحقوق الطائفة.

الحجة والمرجع في القانون الدولي الفرنسي ليون ديغوي يقول: إن تطبيق الدستور والالتزام بنصوصه يعتمد في المقام الأول على وجود حسن النية، وإلا فإن الفوضى والفساد والجريمة ستسود ولو جئنا بأفضل دستور في العالم.

بدعوة من وطن اسمه ‏لبنان، يشهد فراغاً رئاسياً مع أسوأ أزمة سياسية معيشية ومالية واحتضار لمؤسسات الدولة فيه وتفكك المجتمع وانهيار القيم الإنسانية، لا اجتماع ولا حوار ولا حضور للمسؤولين اللبنانيين.

أما بدعوة من سفارة تولاها سفير المملكة السعودية، شهدنا هرولة أهل السياسة في لبنان صاغرين لحضور درس توجيهي في اتفاق الطائف.

نقول: ‏لا سفارة ولا سفير يمكنه إنقاذ الوطن من كبوته، فلبنان بحاجة إلى ضمير وطني اغتالته السفارات، بعدما أضحى الضمير صوت الذين لا صوت لهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن أون لاين

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock