من الالتفاف إلى التحرير.. تفاصيل معركة حماة التي فتحت بوابة حمص ودمشق

مع انطلاق عملية “ردع العدوان” في 27 من تشرين الثاني العام الماضي، وما رافقها من انهيار متسارع في خطوط دفاع قوات النظام البائد في حلب وإدلب، دفعت “إدارة العمليات العسكرية” بقواتها نحو محافظة حماة في الأول من كانون الأول 2024، في مسعى لتثبيت مكاسبها وتوسيع نطاق سيطرتها، حيث تمكنت قوات ردع العدوان من الوصول إلى مشارف المدينة بعد قصف مكثف استهدف تحصينات النظام في ريف حماة الشمالي، محققة تقدماً لافتاً في عدة قرى ومواقع استراتيجية.
إلا أن المفاجأة كانت في انسحاب هذه القوات لاحقاً رغم التقدم الواسع الذي حققته في عدد من القرى والبلدات والمواقع العسكرية الاستراتيجية، ومنها قاعدة اللواء 87 دون تفسير معلن، غير أن هذا التراجع لم يدم طويلاً وكشف أن الخطوة كانت جزءاً من إعادة تموضع تكتيكية؛ إذ أعلنت إدارة العمليات العسكرية، مساء الرابع من كانون الأول 2024، بدء دخول مدينة حماة للمرة الأولى في تاريخ الثورة السورية من المحور الشرقي، وهو المحور الذي لم يحسب له جيش النظام البائد حساباً، لانشغاله بتحصين جبل زين العابدين وثكنة قمحانة شمالاً.
وقبل ذلك بساعات سيطرت قوات ردع العدوان على 20 قرية وبلدة جديدة في ريف حماة، ومدرسة المجنزرات، أحد أهم مواقع تمركز الفرقة 25 قوات خاصة، إضافة إلى رحبة خطاب ومستودعاتها غرب المدينة، فضلاً عن انتزاع السيطرة على جبل كفراع الاستراتيجي المطل على القسم الشرقي من حماة والمجاور لجبل زين العابدين، هذا الاختراق سمح بالسيطرة على جبرين وحي الصواعق، والاقتراب مباشرة من أحياء القصور والفيحاء وغرناطة، ليصبح مركز المدينة على مرمى أقل من أربعة كيلومترات.
دخول مدينة حماة كان التحول الأكثر تأثيراً بعد تحرير حلب، حيث تمت إعادة رسم خرائط السيطرة في وسط البلاد، وفتحت الباب أمام سيناريوهات عسكرية وسياسية جديدة تتجاوز حدود المحافظة، التي بقيت خلال سنوات الثورة خطاً أحمر في حسابات النظام البائد، ودرعاً حصيناً أمام أي اقتراب من حمص ودمشق.
لماذا استعصت حماة؟
مع خسارة جيش الأسد لمناطقه في حلب وإدلب، أعاد تجميع قواته المتراجعة في حماة، وكان جبل زين العابدين، الذي يضم شبكة أنفاق ومراكز قيادة إيرانية وسورية، يمثل الدرع الحقيقي لقوات النظام البائد، وقد حاولت كثيراً قوات ردع العدوان قبل انسحابها من بعض المواقع السيطرة عليه عبر استهدافه بمسيرات “شاهين”، لكن تدعيم جيش الأسد والميليشيات الإيرانية لهذا الخط صعب الاقتحام المباشر لعدة أيام، قبل أن يفاجئه الثوار بالالتفاف من السعن والسلمية وقطع خطوط الإمداد القادمة من الرقة.
ومع دخول قوات ردع العدوان إلى المدينة، انسحب جيش الأسد البائد من مطار حماة العسكري، بينما شوهدت أرتاله تتجه إلى حمص، في مؤشر على بدء انهيار خط الدفاع الأول عن وسط البلاد، وعلى وقع الأهازيج وزغاريد الأمهات المكلومات نامت حماة ليلتها الأولى حرة بيد الثوار بعدما فكت قيود الاستبداد الذي مورس على أبنائها منذ عهد الأسد الأب، في حين أسقط الأهالي صنم حافظ الأسد في الساحة الرئيسية، في مشهد احتفى به السكان بوصفه لحظة تاريخية تنهي عقوداً من الخوف والهيمنة الأمنية.
ولبث الطمأنينة في نفوس السوريين، أصدرت إدارة العمليات العسكرية رسائل طمأنة علنية، مشابهة لخطابها تجاه الطوائف المسيحية خلال دخول حلب، معتبرة أن سوريا المستقبل لن تكون طائفية، في إشارة لطمأنة جميع المكونات الاجتماعية في حماة وسهل الغاب والساحل السوري.
خصوصية الموقع الجغرافي
مع تحرير حماة من يد النظام البائد، تمكن الثوار من كسر واحدة من أعقد قلاع التحصين العسكري في سوريا، والعقدة المركزية لقوات الأسد، لكن حماة بعد الرابع من كانون الأول 2024 باتت نقطة ارتكاز في تغير موازين المعركة، إذ تتوسط المدينة خمس محافظات رئيسية، وتقع على أهم محاور الإمداد العسكري في البلاد، ما يجعل السيطرة عليها تحولاً استراتيجياً لا يوازيه سوى تحرير حمص أو دمشق، كما أن النظام البائد كان يدرك أن محافظة حماة هي بوابة حمص باتجاه العاصمة ومدن الساحل السوري، إضافة إلى المساحة الجغرافية الكبيرة والممتدة التي تربط البادية بجبال الساحل.
كما أن تحرير حماة يحمل رمزية كبيرة، فهي المدينة الوحيدة على مستوى سوريا التي أخرجت مليونية شعبية ضد النظام البائد الذي ارتكب أبشع المجازر بحق أهلها خلال أحداث 1982، حيث قام نظام الأسد بتدمير المدينة على رؤوس ساكنيها وقتله أكثر من 40 ألف مدني وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
محمد رعد