مقالات وآراء

من باع رأس البغدادي؟

هل نجافي الحقيقة، ما وراء الحقيقة، إن قلنا إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باع رأس أبي بكر البغدادي إلى دونالد ترامب؟
كلنا نعلم كيف فتح الرئيس التركي المعسكرات والفنادق والمنتجعات، أمام أولئك البرابرة الذين تم استجرارهم بإدارة شبكة استخباراتية إقليمية ودولية، لتكون سورية البوابة الاحتفالية إلى صفقة القرن. وكان الملياردير النيويوركي شلدون إدلسون قد طرحها إبان عهد باراك أوباما الذي آثر التريث خشية التداعيات الدراماتيكية في منطقة تتصف بالهشاشة، وبالقابلية للانفجار.
وكلنا نعلم كيف كانت قوافل «داعش» تقطع الفيافي، ولمئات الكيلومترات، تحت أنظار الأباتشي، وكيف كانت أرتال الصهاريج تنقل النفط المنهوب من سورية إلى الباب العالي، دون أن يرف جفن للطائرات الأميركية.
هذا الذي حدث في قرية باريشا أقرب ما يكون إلى الشريط الهوليوودي (الهيتشكوكي) الحافل بالألغاز، الحقيقة في مكان آخر، وإلا لماذا اختار أبو بكر البغدادي منطقة إدلب إذا لم تكن الاستخبارات التركية قد تعهدت بحمايته في ذلك المكان المعقد، ليبدأ رجب طيب أردوغان في صياغة سيناريو الصفقة مع دونالد ترامب؟
في أميركا نفسها يقولون إن انتقال زعيم «تنظيم الدولة الإسلامية» إلى إدلب لا يمكن أن يكون بريئاً من الأيدي (والعيون) الاستخباراتية، ثمة صفقة أعدت بإتقان إذا ما لاحظتم المواقف المتراقصة للبيت الأبيض حيال الخطة التركية في المناطق السورية الحدودية.
حتى السيناتور لندزي غراهام، الوصيف الأكبر للرئيس في تلة الكابيتول، هالته تقلباته، وتغريداته المتناقضة، قال إنه شعر بالرغبة في التقيؤ، هذا قبل أن يظهر في البيت الأبيض، مفاخراً بالإنجاز العظيم، القضاء على أبي بكر البغدادي.
وإذا كان الرئيس الأميركي ذروة المركنتيلية (هيستيريا المال)، نظيره التركي ذروة المكيافيلية (هيستيريا السلطة). الاثنان تقاطعا في نقطة ما، بعد فترة وجيزة من توقيع العقوبات على أنقرة، ما لبث دونالد ترامب أن تراجع على ذلك النحو المثير للتساؤل بقدر ما هو مثير للسخرية.
رأس «الخليفة» ثمين جداً عشية بدء الحملة الانتخابية، الرئيس بحاجة إلى أوراق صارخة في محاولته المجنونة العبور إلى الولاية الثانية، هكذا هي صناعة الإثارة على طريقة راقصات الأرصفة في لاس فيغاس.
لا داعي للعودة إلى ما قاله، منذ نحو عقدين، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية ريتشارد هيلمز، لندرك أن الغرف الأميركية السوداء التي أنتجت أسامة بن لادن هي نفسها التي أنتجت أبا بكر البغدادي، منذ أيام وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون فوستر دالاس، وشقيقه آلان، في عهد الرئيس الأميركي الأسبق دوايت إيزنهاور، والخطة ماضية في تصنيع ذلك الإسلام الذي يمكن استخدامه على شكل قنابل إيديولوجية مبرمجة زمنياً لدفع الرياح في اتجاه يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية على السواء.
البغدادي صناعة (وصنيعة) أميركية، وإلا كان للأباتشي أن تصطاده في الصحارى، أو في أي مكان آخر، ما دام التنسيق العملاني بين الاستخبارات التركية والتنظيم قائمة على قدم وساق.
لا خطوة يقدم عليها دونالد ترامب إلا وتستشف منها الصفقة (غالباً الصفقة القذرة). وزير الخارجية الأميركي الأسبق بوب وودورد، الصحفي الأميركي البارز، سأل ما إذا كان هذا الرجل إمبراطوراً أم قاطع طرق حين يضع يده على آبار نفط سورية، في وضح النهار، وعلى شاكلة اللصوص الذين كانوا يسطون على القوافل في الغرب الأميركي.
من زمان تحدثنا عن التماهي النرجسي بين دونالد ترامب ورجب طيب أردوغان، الاثنان داخل عباءة واحدة في كل تفاصيل اللعبة الجهنمية في الشرق الأوسط.. لاحظوا كيف يرابط آلاف الجنود الأتراك عند جدران قاعدة العديد الأميركية في قطر لحماية هذه الدولة الخليجية من الغزو السعودي، هل كان يمكن أن يحدث ذلك لو لم يكن التواطؤ هو الإطار الفلسفي للعلاقات بين الرجلين؟ التواطؤ في الضوء أو في ما وراء الضوء.
بينهما تدحرج رأس أبي بكر البغدادي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock