العناوين الرئيسيةمقالات وآراء

من يزرع الوهم

“من يزرع الوهم” بقلم أ.د. بــثــيــنــة شــعــبــان

يقول المثل العربي: “من يزرع الوهم يحصد الخيبة”. تذكّرت هذا المثل بإلحاح وأنا أشاهد الأوهام التي حاول الرئيس بايدن وحلفاؤه الغربيون بيعها للناس عن حرب غربية يسمونها عالمية مازال بعض شهودها أحياء، وما زال العالم كله والتاريخ يشهد أن الجيش الأحمر وصل إلى الحدود السوفيتية ودخل أراضي رومانيا في آذار 1944، وبدأ مهمة التحرير في أوروبا، بينما فتح الحلفاء جبهة ثانية في 6 تموز في النورماندي فقط ليسارعوا في إظهار أنفسهم وكأنهم جزء من عملية التحرير مع أن الذي قام بدحرهتلر وتحرير أوروبا هو الجيش الذي دفع 27 مليون قتيل في هذه الحرب، ولم تكلّف عملية النورماندي الحلفاء إلا عشرة أو عشرين ألف قتيل وكانت مجرد تمظهر متأخر للادعاء بالمشاركة بالتحرير.

أما أن يتداعى المسؤولون الغربيون لتكبير الوهم حول هذا الحدث الذي لا يشكّل فاصلة في الحرب العالمية الثانية، وأن يمضي الرئيس بايدن بهذه المناسبة أطول زيارة لفرنسا للتعبيرعن أنهما شركاء وأنهما واحد، وأن يُستحضر زيلنسكي ويتمّ تجاهل دور روسيا ولا تتم دعوة الرئيس بوتين رغم الحقائق التاريخية الدامغة بأحقية روسيا بالاحتفال بهذا النصر، فإنّ كلّ هذا يضيف إلى سجلّ الغرب المتآكل والمتهالك اليوم، والذي وبسبب تآكله الحقيقي لم يعد يقيم للحقيقة وزناً ولا للمصداقية اعتباراً. وكأني بهؤلاء وهم يحتفلون على شاطئ النورماندي والمياه تجرف الرمال من تحت أرجلهم وتتركهم في غفلة من مغبّة ما قاموا به من زراعة الوهم في أنفسهم وأنفس الآخرين ليتفاجؤوا أن الزمن قد تركهم هنا وغادر إلى مكان آخر ومع أناس آخرين جديرين بقراءة الأحداث على حقيقتها واحترام وقائعها والحرص على احترام ذكاء الآخرين ومعرفتهم بالحدث وتفاصيله.

وربما ليست مصادفة أنه في الوقت الذي تداعى زعماء الغرب ليوهموا العالم أنّ قوتهم لا تقهر وأنّ تضامنهم غير قابل للهوان كان اليمين الأوروبي في فرنسا وألمانيا وإيطاليا والنمسا وإسبانيا يحصد المقاعد في البرلمان الأوروبي على حساب الأحزاب التي يمثلها هؤلاء الزعماء واعداً بإعادة النظر بالتوجه الأوروبي برمّته وإعادة الاعتبار للدولة الوطنية وأولويتها كما عبّر معظم قادة الأحزاب اليمينية في أوروبا. وبغضّ النظرعن تقييم سياسي لأيّ من هذه الأحزاب أو لصحة توجهاتها المستقبلية أو انعكاساتها على السياسة الدولية، فإنّ النقطة هنا هي زيف ادّعاءات هؤلاء الزعماء بالقوة والانتصار، والتي هي مجرّد تمظهر بالقوة وخطابات تلوي عنق التاريخ وتحاول زرع الأوهام الكاذبة في أذهان المتلقين. ولكنّ ما فات هؤلاء هو أن الزمن والشعوب قد تجاوزوهم تماماً، ولا يملك من شاهد احتفالات النورماندي لا يملك إلا أن يبتسم ساخراً ويقول في نفسه على من تضحكون؟ إن تضحكون إلا على أنفسكم وما تعلمون!

ذلك لأنّ الإعلام الغربي، وخاصة بعد الكذب اليومي المفضوح الذي مارسه منذ طوفان الأقصى وتعامله مع ارتدادات هذا الطوفان وأخباره وأخبار ردود الفعل عليه قد أفقد هذا الإعلام أيّ مصداقية في ضمائر كلّ شعوب الأرض. وإذا كانت وسائل الإعلام الغربية، التي يتحكّم بها المال الصهيوني، لم تدرك إلى حدّ اليوم حجم خسائرها فلا شكّ أنّ ذلك اليوم الذي سوف تحصد فيه ما زرعته قريب، وحينها لن تتمكن من فعل شيء لأنّ العالم سيكون قد وصل إلى محطة أخرى لن يتمكن الغرب برمّته من اللحاق بها.

وفي السياق نفسه فقد ارتكب الإعلام الغربي إثماً مهنياً وأخلاقياً قبيحاً حين مجّد بكلّ أدواته العملية الصهيونية-الأمريكية المشتركة لإنقاذ أربعة أسرى صهاينة، بينما قتل منفذو هذه العملية مئات النساء والأطفال والرجال الفلسطينيين الذين لم تأتِ وسائل الإعلام الغربية نفسها على ذكرهم، وكأن حياتهم لا تساوي شيئاً، وكأن حياة الأربعة الصهاينة مقدّسة وحياة مئات الشهداء مجرّد رماد تذروه الرياح. مع أنّ هؤلاء الأسرى أنفسهم شهود على التفوّق الأخلاقي للمقاومين الذين احتجزوهم على العصابة الصهيونية التي تعبث بحياة الأسرى الفلسطينيين إهانةً واغتصاباً وتنكيلاً وتعذيباً وقتلاً. إذا لم يكن المعيار الأخلاقي هو المعيار الصحيح للبشر، فما هو المعيار الذي يتخذه هؤلاء القتلة الإرهابيون المجرمون.

لقد كانت مجزرة النصيرات، والتي مجّدها الإعلام الغربي على أنها أدّت إلى تحرير أربعة صهاينة، كانت وصمة عار في تاريخ الصهاينة والأمريكان الذين تبجّحوا أنهم ساعدوا في الاستخبارات وفي استخدام الرصيف البحري الذي بنوه لتنفيذ هذه المجزرة. وإذا كان العرب والمسلمون والعالم برمّته لم يقدم بعد على وضع الحقّ في نصابه فهذا لا يعني أبداً انّ مرتكبي هذه الجرائم سوف ينجون من العقاب الاستراتيجي الساحق والذي سسوف يزلزل الأرض تحت أقدامهم ويقلب المعادلات التي يعتمدونها في الكذب والقتل وزهق الأرواح إلى غير رجعة أبداً.

فها هي قمة البريكس التي انعقدت في 10/6/2024 في مدينة نيجني نوفغورود الروسية تؤكد على إسراع الخطى لتطوير منصة للتسويات بالعملات الوطنية خلال التجارة المتبادلة. وها هي السعودية تهمل تجديد العقد مع الولايات المتحدة لاعتماد الدولار كعملة حصرية لبيع النفط. والجميع يعلم أنّ الاستثنائية التي تمّ إقرارها للدولار الأمريكي كانت هي مصدر القوّة الأساسية للولايات المتحدة وأنّ إفساح المجال لبيع النفط باليوان الصيني مثلاً سوف يغيّر المعادلة ويزحزح المركزية الغربية عن عرش الظلم والحروب الذي اعتلته بقوة المال والسلاح، هذه القوّة التي حوّلتها إلى استثنائية عنصرية غربية دمّرت البلدان وأزهقت الأرواح وجلبت الدمار والخراب على الشعوب في بلدان وقارات العالم كلها.

إنّ الدماء الطاهرة لهؤلاء الأطفال الملائكة والنساء الحوامل والمرضعات التي سُفكت في فلسطين من قبل احتلال عنصري غاشم مسلّح بتأييد مفتوح من الغرب الاستعماري لن تذهب سدى، وقد بدأت بتغيير تفكير هذا الكون وإعادته إلى الطريق القويم. وها هي المؤشرات تصلنا من كلّ حدب وصوب أنّ الغرب قد فقد صوابه ومصداقيته، ومن يفقد مصداقيته سواء كان إنساناً أم حكماً أم نظاماً فكأنما فقد حياته إذ لا قيمة له ولا وجود دون مصداقية، فحياته ومماته متساويان. إنّ حرب الإبادة الجارية في غزّة، ومجزرة النصيرات، واحتفالات النورماندي الهوليوودية، وتعامل الإعلام الغربي المتصهين معها ومع كلّ ما سبقها ما هو إلا تعبير استثنائي عن الدرك الذي وصل إليه استخفاف الغرب بعقول الآخرين، وهو ماضٍ في زراعة الوهم دون رادع، وغير مدرك أنّ ما ينتظره هو الخيبة والخيبة فقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock