مقالات وآراء

نعية العقول والشرف في نعيةٍ غير فاضلة.. «مات الملك عاش الملك»!

بقلم: فراس عزيز ديب

«ماتَ الملك عاشَ الملك»، كانت هذهِ العبارة في زمنِ الملَكيات التقليدية في أوروبا حتى تاريخ الثورة الفرنسية 1799، توصيفاً حقيقياً للمستقبل القادم الذي لن يختلفَ كثيراً عن الماضي المُنتَهي بموتِ الملك، لأن الأمر ليسَ مرتبطاً بأشخاص لكنهُ مُرتبط بسياقِ حكمٍ لا يُسمح فيهِ بالتجاوزات التي تنال من طموح هذهِ الممالِك وسياساتها من قبلِ الملك ولا غيرِ الملك، بعض هؤلاءِ الملوك دفعوا غالياً ثمن التمادي، بما في ذلك التمادي على سلطات الكنيسة كأحفاد شارلمان الذين قسَّموا مملكة الجد الملقب بوالد أوروبا بعد اتفاقية فيردان 843 إلى ثلاث ممالك، في السياق ذاته فإن بعض هذه الشعوب التي تمردت على هذا النظام، لم تكتف فقط باقتلاع الملك لكنها اقتلعت الملَكية من أساسها، فماذا اختلف؟ لاشيء أبداً، بقيت النزعة الاستعمارية هي الميراث الأهم للطبقةِ السياسية، فرنسا نموذجاً، ألم يصنف الطموح النابليوني بتوسيع إمبراطوريتهِ كأحد أكبر الأوهام التي قتلت صاحبها؟

هناكَ شعوب قامت بإسقاط الملك لكنها لم تقم بإسقاط الملَكية كجزء من تراث هذهِ الدولة، تركتها إما من دون صلاحيات مميزة كما هو الحال في الملكية الإسبانية أو الدانمركية، أما بريطانيا فالوضع مختلف لم تسقط الملَكية إلا حبراً على ورق، ولم تتزحزح الأرض التي تتفيأ بظلِّ التاج إلا في الوهم، لتصبح عبارةَ «ماتَ الملك عاشَ الملك» بنسختها البريطانية هي آخر ما تبقى من هذهِ الملَكيات التقليدية.

نهاية الأسبوع الماضي فُجعَ أصحاب الإنسانية الطارئة في شرقنا البائِس عموماً، وسورية خصوصاً برحيلِ ملكة بريطانيا إليزابيت الثانية، بعض هؤلاء الذين كان الإعلام الرسمي السوري ولا يزال يختصِر فيهم الحالة الثقافية في البلاد ويقدمهم بمسمى «النخبة المثقفة»، كتب في نعي الراحلة ما لم يكتبهُ مالك في الخمرة، ترى هل هكذا هو فعلياً حالنا الثقافي، أم إنه الحال الذي أراده لنا العقل الذي لا يريد أن يتعلم من دروس الماضي؟ ربما يعتقد هؤلاء، ومن فرط الأنا المنتفخة لديهم، أن وكيل قصر بيكينغهام سيدخل على عجلٍ إلى مكتب ولي العهد المفجوع بوالدته ليقرأ عليهِ نعيهم للراحلة، دولٌ ما زالت تعاني حتى يومنا هذا ما فعلهُ بها «التاج البريطاني» من سرقةٍ واستعمارٍ واحتلال ونهب، أعلنت الحداد لأيام، ربما نتفهم أن تكون بعض الدول التي تسير بنهج الملوك أو تلكَ التي كان وجودها أساساً بسبب هذا التاج، مضطرة لمسايرةِ نهج الملوك، لكن ماذا عن الباقي؟ هل هو يا ترى «البروتوكول»؟ أي بروتوكولٍ هذا الذي يلزمكَ بالحداد على مجرم؟

قد يرى البعض هذا التوصيف مجحفاً، البعض ربما تأخذهُ الرومانسية المرتبطة بزمن الملوك، قصص الحب التي بطلها ذاك الشاب الذي يعمل فلاحاً في حدائقِ القصر فتحبهُ الأميرة وتتزوجه، لكنني ببساطة أكره الرومانسية عندما يتعلق الأمر بالثوابت، عندما أرى الأمر من منظور كل ما يجري من دمارٍ أو خراب لن أراهم إلا كما قدمهم لنا وليم شكسبير في حديثهِ عن الملك جون وجرائمهِ، هل المطلوب مني أن أكون بريطانياً أكثر من شكسبير نفسه، ما هذه المزايدة؟!

قد تبدو للبعض عبارة «سقط جسر لندن»، مادة للتحليق عالياً في سماء عظمةِ هذا النعي، يا له من تعبير يُعيدنا إلى زمنِ الفرسان وكلمات السر التي قلبت التاريخ، لكني بصراحة لا أرى الأمر إلا من منظور فيرديناند دوليسبيس، ألم تكن كلمة السر التي قالها الراحل جمال عبد الناصر إيذاناً ببدءِ عملية السيطرة على قناة السويس، من كان ملك بريطانيا يومها؟ ومن شارك بالعدوان الثلاثي على مصر؟ لا أراها إلا من منظور عشرات الجسور التي دمرها التحالف الدولي برعايةٍ بريطانية على نهري دجلة والفرات، فلتسقط كل جسور لندن مقابل استعادة جسر «قره قوزاق»، عندما قُتلت الأميرة ديانا فإن معظم من تعاطف معها كان يظنَّها فتاة أحلامه، كانت تجسيداً لحالةٍ من التمرد على التاج، لكن في الواقع فإن ديانا، وحسب المفهوم الملكي كانت تستحق التصفية لأنها خانت البروتوكول الملكي وكان الموت من نصيبها، هل لكَ أن تتخيل ماذا حدث لمن فكروا بالخروج عن طاعة التاج الملكي؟ هل فكَّرتَ بملايين الضحايا عبر العالم قبل أن تأخذني إلى رومانسيةٍ نسيتها مع آخرِ قصيدةٍ كتبتها لبغداد قبل سقوطها بساعات! من كان الملك يومها؟

في سياقٍ آخر، هناك من يرى المبالغة في التوصيف انطلاقاً من فرضيةِ تحميل الملكة وزرَ كل هذهِ الجرائم وهي لا تملك أي صلاحيات، لكن وبالعودةِ إلى التاريخ فمنذ أن وقَّع الملك جون لاكلاند عام 1215 ما يعرف باسم «الميثاق العظيم» بينه وبين الإقطاعيين وأصحاب النفوذ المالي، بدت المملكة تسير بهدوء نحو تقاسم منطقي للسلطة، أعطوني البقاء وخذوا رأس المال، ومما لاشك فيه بأن «الميثاق العظيم» كان ولا يزال أحد أهم المواثيق التي تحدد الحقوق والواجبات في العالم، بل إنه كان ولا يزال يدرَّس في الجامعات الفرنسية مثلاً على أنه الدستور المكتوب الأول الذي يدافع عن حقوق الإنسان ويحميه من سلطات الملك التعسفية، لكنه بذات الوقت لم يقل إن الملك باتَ مجرداً حتى من رأيه فيما يجري على المستوى الخارجي، ولو أردنا تطبيق ما جرى على عصرنا الحالي فإن الملك أعطى الرأسمالية صلاحيات مطلقة بإنعاش الاقتصاد مقابل البقاء في المُلك، هذا البقاء كفلَ له حتى الإعفاء من الضرائب والمساءلة القانونية، لكن هذا لا يعني بأن الملك لا يُقرر أو لا يمتلك صلاحيات، أيضاً بالعودة إلى التاريخ فإن جون لاكلاند ذات نفسه رفض تنفيذ بنود الاتفاق ودخل بحرب مع الإقطاعيين اضطرتهم للاستعانة بالجيش الفرنسي، كيف استطاعَ السيطرة وهو لا يملك صلاحيات؟ هذه الكذبة ما زال يكررها عن جهل كل من يريد سحب الملَكية من الجرائم التي ارتكبتها بريطانية عبر قرونٍ من الاستعمار والإجرام، هذه التبرئة باتت غير مفهومة، يريدوننا اليوم أن نصدق بأن كل ما اقترفته بريطانيا من جرائم جرى من دون علم الملكة، علماً أن القوانين المكتوبة والعرف البريطاني يمنح للملك صلاحيات كثيرة منها المصادقة على القوانين أو رفضها، كما وأنه يملك صلاحيات إعلان الحرب من عدمها حيث إن الملكة ومنذ توليها العرش وفي كل الحروب التي شاركت فيها المملكة المتحدة، فإنها تحمل لقب القائد العام للجيش والقوات المسلحة، وكل عناصر وضباط الجيش مدينون بالولاءِ لها، بعد كل ذلك يريد البعض لنا أن نفهم بأن غزو العراق وتدمير ليبيا والهجوم على سورية وكل ما مرت به القضية الفلسطينية، قام بتمريره الوزراء من دون علم الملكة، هل هذا الكلام يدخل العقل فعلياً؟

ربما لم تنجح حملة التسويق للملكة في ضمان بقاء الكثير من الدول تحت التاج البريطاني فحسب، وهو ما قد يبدو صعباً بعدَ وفاتها، لكنها نجحت كذلك الأمر بجعل صورة بريطانيا كدولة من نقاء صورة الملكة، على هذا الأساس الصورة المخادعة دائماً هي عكس الحقيقة، الصورة هدفها أن تكون راسخة في العقل أما الحقيقة فهي حمَّالة أوجه تكفي بضع إشاعات لجعلها مثارَ جدل، هذا ما كان يحدث في التسويق لملكة بريطانيا حرفياً، كان هناك نجاح باهر بتسويق صورتها المرتسمة لكن ما الذي كان مخفياً خلف هذه الابتسامة؟! كل منا قادر أن يقرأ الأمر بطريقته لكننا قد نتفق بأن الملوك يرحلون ويبقى ذكراهم، يكفي أن أُلقي نظرة على التاريخ الأسود لهذه الملكة حتى أعرف ما هو ذكراها، لكن هناك من سيسأل وببساطة، طيب ولماذا لا نلوم أنفسنا ونلوم فشلنا الذي أوصلنا إلى هذا الحال؟

هنا فعلياً يسقط الكلام وتتعطل لغة الحروف، ليسَ احتراماً للحدث، لكن احتراماً لعذاباتنا لا أكثر، هنا فعلياً لا يهم إن مات الملك أو عاش الملك، فالعبارة لن تصنع لنا أملاً، لكنني ببساطة لا يمكن أن أسمح لعذاباتنا أن تبرئ أي مشتركٍ بترسيخها! هي الوجه الآخر للواقعية التي أُحب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن أون لاين

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock