هكذا تحدثت حلب

في حلب، بدا واضحاً أن الدولة – مهما قيل عنها – أدركت أن الحرب ليست مع المدنيين، وأن المدن لا تُستعاد بالقصف وحده، بل بإبقاء شرايين الحياة مفتوحة. كانت هناك محاولة واعية لتجنيب الناس ما أمكن من النار، وكأن الرسالة تقول: إننا نريد الأرض وأهلها معا، لا الأرض وحدها.
وفي المقابل، كان المشهد العسكري يحمل ما هو أبعد من حدود المدينة. كان يقدم نموذجاً لما يمكن أن يحدث إذا اختارت أي قوة محلية – مثل قسد أو غيرها – أن تمضي في طريق الصدام المفتوح. فالحرب، حين تبدأ، لا تعترف بالشعارات، ولا تنتظر التبريرات، بل تفرض منطقها الحديدي: من يصرّ على المواجهة يخسر أكثر مما يظن، ومن يراهن على الجغرافيا دون الدولة يكتشف أن الجغرافيا نفسها قد تنقلب عليه.
الدرس الأعمق الذي خرج من بين حجارة حلب هو أن الوطن، مهما ضاق، يتسع للجميع. وأن العناد السياسي – أياً كان مصدره – يتحول في لحظة إلى عبء على أصحابه قبل أن يكون عبئا على الدولة. فالإصرار الكردي على مواجهة المركز لم يكن يوما خيارا حكيما، لا من زاوية التاريخ، ولا من زاوية الواقع، ولا من زاوية الدم الذي يسيل بلا معنى.
ولعل العودة إلى الاتفاقيات السابقة، وإعادة وصل ما انقطع بين الأطراف، ليست مجرد خطوة سياسية، بل ضرورة وطنية. فالاندماج مع الدولة – بكل ما تحمله من مؤسسات وشرعية وجيش – هو الضمانة الوحيدة لعدم انزلاق السوريين إلى حروب صغيرة داخل الحرب الكبرى. وهو الطريق الأضمن لحفظ وحدة البلاد، تلك الوحدة التي لم تعد مجرد شعار، بل صارت شرطا للبقاء نفسه.
أما أولئك الذين يتحدثون عن تقرير المصير والانفصال والفدرالية، فإن درس حلب يضع أمامهم مرآة صافية:
إن الأوطان التي تُنهكها الحروب لا تحتمل مغامرات جديدة، وإن الخرائط التي تُكتب بالدم لا تُعاد صياغتها بالرغبات. فالتاريخ، حين يشتد، لا يترك مجالا للترف السياسي، بل يفرض على الجميع أن يعودوا إلى أصل الفكرة: دولة واحدة، بجيش واحد، وبمصير واحد.
هكذا قالت مدرسة حلب… درس يتقن قراءته حتى الأميون في السياسة.