ازدحام المواطنين أمام المصارف هو مرض اسمه عدم ثقة الناس بالمصارف

الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماه يرى أن مشهد الازدحام المتكرر أمام المصارف في سوريا يدعو للتأمل والتحليل.. فطوابير بشرية طويلة تتراص أمام المصارف وشركات الصرافة، في ظاهرة تجسد قلق المواطن السوري وعدم يقينه تجاه المستقبل الاقتصادي.، لتتحول المؤسسات المالية ومع بدء عمليات استبدال العملة القديمة بالجديدة، إلى مسارح تعكس عمق الأزمة النقدية والهواجس الجماعية حول قيمة المدخرات.
ويعتبر أستاذ الاقتصاد في حديثه للوطن أن هذا الازدحام ليس مجرد مشكلة لوجستية عابرة، بل هو عَرَض لمرض اقتصادي أعمق يتعلق بفقدان الثقة في النظام النقدي، ويستدعي قراءة متأنية للأسباب والحلول الممكنة.
واستعرض محمد أسباب الازدحام أمام المصارف ومنها الذاكرة النقدية الجريحة، حيث يحمل السوريون ذاكرة جماعية مؤلمة تتعلق بتقلبات العملة وفقدان القيمة، من تجربة السحوبات المصرفية الكبيرة عام 2020 إلى انهيار الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، معتبراً أن هذا التاريخ يجعل أي تغيير نقدي مصدراً للقلق، ويدفع المواطنين للتحرك بسرعة خوفاً من تكرار السيناريوهات السابقة.
ومن الأسباب برأي محمد نقص السيولة والثقة إذ تعاني المصارف من أزمة سيولة هيكلية، ما يخلق فجوة بين الطلب على السحوبات والقدرة على تلبيتها، لكن الأعمق برأيه هو أزمة الثقة التي تجعل كل معلومة غامضة تتحول إلى إشاعة تدفع المزيد من الناس نحو المصارف.
كما هناك دور لثقافة “السباق ضد الوقت” ففي الشارع السوري، هناك إدراك جمعي بأن “المتأخر قد يخسر”، وهذه العقلية تُترجم إلى سلوك جماعي يتجه نحو التكدس أمام أي فرصة للحفاظ على القيمة، خاصة مع غياب المعلومات الرسمية الواضحة حول آليات ومواعيد الاستبدال، إلى جانب فكرة الاقتصاد الموازي كبديل مُكلف فرغم انتشار شركات الصرافة، يبقى التعامل معها محفوفاً بمخاطر أمنية ومالية للمواطن العادي، ما يدفع الكثيرين لتفضيل الطوابير الطويلة على المخاطرة بالتعامل مع القنوات غير الرسمية.
وعرض أستاذ المصارف عدد من المقترحات كإجراءات فورية لحل المشكلة، كاستخدام التواصل الشفاف كمدخل للإصلاح فبرأيه يحتاج المصرف المركزي إلى حملة تواصل استباقية تشرح بالتفصيل آلية الاستبدال، وتاريخ انتهاء صلاحية العملة القديمة، وضمانات الحفاظ على القيمة، إلى جانب وسائل التواصل الحديثة والتي يمكن أن تكون أداة فاعلة لو استخدمت باحترافية.
كما اقترح محمد تفعيل الحلول التقنية فرغم تحديات البنية التحتية، يمكن تعزيز استخدام التحويلات الإلكترونية والدفع الرقمي، خاصة للرواتب والمعاملات الحكومية. مضيفاً: كما يمكن إنشاء منصة إلكترونية لجدولة مواعيد الاستبدال حسب المناطق أو الأرقام الوطنية.
ولفت إلى أهمية التوزيع الجغرافي للخدمة إذ يمكن استخدام المؤسسات العامة (البلديات، والجمعيات الفلاحية، والمراكز الثقافية) كنقاط خدمة مؤقتة لتوزيع الضغط، خاصة في المناطق البعيدة عن المراكز المصرفية.
وشدد محمد على ضرورة معالجة جذور الأزمة فالازدحام المصرفي مجرد عرض، والعلاج الحقيقي يكمن في استعادة الثقة عبر سياسات اقتصادية كلية تستهدف خفض التضخم، وتوحيد سعر الصرف، وضخ سيولة حقيقية تدعم القدرة الشرائية.
وختم محمد بالقول: ظاهرة الطوابير المصرفية في سوريا تخبرنا بقصة أعمق من مجرد استبدال أوراق نقدية؛ إنها قياس دقيق لدرجة ثقة المواطن بمؤسساته النقدية، ومؤشر على حجم الهوة بين السياسات الرسمية والواقع المعيشي. ومعالجة هذه الظاهرة تتطلب أكثر من إجراءات لوجستية ذكية؛ فهي تستدعي اعترافاً صريحاً بأزمة الثقة، وشفافية في التواصل، وإصلاحاً نقدياً حقيقياً يلامس أسباب انهيار القيمة وليس مظاهرها فقط.
وإن المواطن السوري الذي يقف لساعات تحت الشمس أو المطر ليس مجرد متسوق للخدمات المصرفية، بل هو ناقد صامت لسياسات اقتصادية يحتاج مراجعتها.. واستعادة ثقته لن تتحقق بمجرد تسريع عملية استبدال العملة، بل ببناء نظام نقدي يحفظ قيمة تعبه ويكافح تضخماً يأكل قوته الشرائية يوماً بعد يوم. حينها فقط ستختفي الطوابير، ليس لأن العملة استُبدلت، بل لأن الثقة استُعيدت.
محمد راكان مصطفى