العناوين الرئيسيةسياسةعربي ودولي

اعتقال مادورو.. عدالة عابرة للحدود أم نفوذ عابر للقانون؟

لا يمكن قراءة عملية إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بمعزل عن التحولات الأوسع في الاستراتيجية الأميركية لإدارة النظام الدولي، حيث تمثل هذه القضية نموذجاً لكيفية توظيف القوة القانونية والاقتصادية والسياسية كبدائل أو مكملات لاستخدام القوة العسكرية المباشرة، فالمسألة لا تتعلق بشخص مادورو بقدر ما ترتبط بموقع فنزويلا الجيوسياسي، وخياراتها الاستراتيجية، وطبيعة علاقتها مع خصوم واشنطن الدوليين، كما أنها تأتي ضمن سجل تاريخي شهد حالات متعددة لزعماء ورؤساء دول دخلوا في مواجهات سياسية أو قانونية مع الولايات المتحدة، وانتهى الأمر ببعضهم إلى الاعتقال أو الملاحقة أو التسليم لمحاكم داخلية أو دولية.

منذ نهاية الحرب الباردة، طورت الولايات المتحدة مقاربة تقوم على ما يعرف بـ«الإنفاذ القانوني العابر للحدود»، وهو نمط يسمح لها بملاحقة أفراد وكيانات أجنبية استنادا إلى قوانينها الداخلية، خاصة في قضايا المخدرات والفساد وتمويل الإرهاب، هذه الأداة، التي تقدَم رسميا بوصفها جزءاً من حماية الأمن القومي الأميركي، تحولت عمليا إلى وسيلة ضغط سياسي على أنظمة ترى واشنطن أنها خارجة عن المنظومة الغربية أو مهددة لمصالحها الاستراتيجية.

في هذا السياق، تتقاطع قضية مادورو مع سوابق تاريخية كما في حالة الزعيم البنمي مانويل نورييغا عام 1989، حيث جرى الجمع بين العزل السياسي والتجريم القانوني، أو مع حالات أخرى جرى فيها تفكيك شرعية القادة دوليا قبل إسقاطهم أو تحييدهم، ويلاحظ أن هذه المقاربة غالبا ما تستخدم ضد دول تعاني من هشاشة اقتصادية أو عزلة دولية، ما يجعل قدرتها على مقاومة الضغوط محدودة مقارنة بقوى كبرى تتمتع بغطاء سياسي أو ردع استراتيجي.

استراتيجيا، تسعى الولايات المتحدة من خلال هذا النهج إلى تحقيق عدة أهداف متداخلة، أولها ردع قادة آخرين عن انتهاج سياسات تتعارض مع المصالح الأميركية، وثانيها إعادة تشكيل النخب الحاكمة في بعض الدول عبر إضعاف رأس السلطة، وثالثها إرسال رسائل سياسية إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء حول كلفة الخروج عن النظام الدولي القائم، غير أن هذه الاستراتيجية لا تخلو من كلفة، إذ تسهم في تعميق الانقسام الدولي، وتغذي سرديات مضادة تتهم واشنطن بازدواجية المعايير وتسييس العدالة.

في المقابل، يطرح هذا المسار تحديات حقيقية على مفهوم السيادة الوطنية، ويعيد فتح النقاش حول طبيعة النظام الدولي، هل هو نظام قائم على قواعد قانونية متساوية، أم على موازين قوة تسمح للأطراف الأقوى بفرض تفسيرها الخاص للقانون؟ كما يثير تساؤلات حول فعالية هذه السياسات على المدى الطويل، خصوصا عندما تؤدي إلى تصلب الأنظمة المستهدفة بدل تغيير سلوكها، أو إلى دفعها نحو تحالفات مضادة مع قوى دولية منافسة.

وعليه، فإن اعتقال مادورو لا يمثل مجرد إجراء قانوني أو حدث سياسي عابر، بل يعكس صراعا أعمق حول شكل النظام الدولي المقبل، وحدود النفوذ الأميركي فيه، وقدرة الدول المتوسطة والضعيفة على المناورة داخل بيئة دولية تزداد فيها أدوات الضغط تعقيداً، ويتراجع فيها الخط الفاصل بين القانون والسياسة.

الوطن

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock