المحاكمات العلنية في أحداث الساحل.. إرساء لأسس العدالة والشفافية وتعزيز للثقة بالنظام القضائي

مع انتهاء الجلسة العلنية الأولى لمحاكمة المتهمين بارتكاب انتهاكات خلال أحداث الساحل التي حدثت في آذار الماضي، تبدو سوريا أمام لحظة فارقة تتجاوز في دلالاتها نطاق قاعة المحكمة في قصر العدل بحلب، فهذه الجلسة التي عقدت برئاسة القاضي زكريا بكار وبحضور وسائل إعلام محلية وعربية ودولية، لم تكن مجرد إجراء قضائي روتيني، بل خطوة تحمل رسائل سياسية وقانونية عميقة حول مستقبل العدالة في البلاد بعد سنوات طويلة من الحرب وسياسة الانتقام التي مارسها النظام البائد.
وأول ما يلفت النظر في هذه المحاكمة هو العلنية الكاملة التي جرت فيها، في سابقة منذ تحرير سوريا، في إشارة واضحة إلى رغبة حكومية في تعزيز الشفافية داخل قطاع القضاء، وعرض الإجراءات أمام الناس، وإظهار أن الدولة لا تتعامل مع هذه الملفات بعيداً عن أعين الرأي العام.
ومن الناحية القانونية، يرى خبراء أن جلسات اليوم مطابقة للمعايير الدولية، سواء من حيث حق الدفاع أو تعدد الجلسات أو حضور الإعلام، وهذا التصريح لا يأتي من فراغ، بل يتقاطع مع التصريحات التي أطلقها رئيس لجنة التحقيق، القاضي جمعة العنزي، الذي رأى في هذه المحاكمات لحظات فارقة تعكس صورة سوريا الجديدة التي ترسي أسس العدالة والشفافية.
ويبدو أن المعطيات التي قدمها تقرير لجنة التحقيق من أعداد الضحايا الذين بلغوا 1426 قتيلاً، ومنهم 90 امرأة، إلى توثيق أسماء 298 متهماً بارتكاب انتهاكات جسيمة، فضلاً عن 265 متهماً من فلول النظام البائد، تُظهر حجم الملف وتعقيده، لكن الأهم من تلك الأرقام هو الآلية التي تدار بها القضية: شهادات، أدلة رقمية، محاضر استجواب، تعاون مع وزارتي الدفاع والداخلية، وإحالة 563 مشتبهاً إلى القضاء، هذا العمل المؤسسي، بما يحمله من تدرج وإجراءات، يرسل رسالة ضمنية للرأي العام مفادها أن الدولة تحاول بناء مسار عدالة يتكئ على منهجية لا على انتقائية.
واللافت أيضاً أن المحاكمات لا تشمل طرفاً واحداً، بل تمتد لتطول عناصر من “الفلول”، كما تطول عناصر منفلتة ومتورطين من الأجهزة، ما يعزز سردية “عدم إفلات أي طرف من العقاب” التي كررتها وزارة العدل ولجنة التحقيق، وربما كان هذا التوازن تحديداً هو ما دفع مراقبين حقوقيين، مثل مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، إلى وصف الخطوة بأنها في الاتجاه الصحيح، مع التشديد على ضرورة استمرارها وتوسيعها.
وتبدو هذه المحاكمة من منظور سياسي أوسع، استجابة لمطلب محوري برز منذ بداية أحداث الساحل وهو إظهار أن الدولة قادرة على إدارة العدالة في ملفات حساسة ذات طابع طائفي وأمني، من دون أن تتحول المحاسبة إلى أداة انتقامية أو إلى تسوية سياسية بغطاء قضائي، بمعنى آخر، تسعى الحكومة إلى تقديم أنموذج قضائي يُظهر أن سوريا تتجه نحو مرحلة جديدة تُقاس فيها شرعية المؤسسات بقدرتها على فرض القانون بعدالة، لا بمجرد قدرتها على بسط السيطرة، فضلاً عن إعادة ترميم الثقة بين المواطن ومؤسسات العدالة، تلك الثقة التي لطالما شكّلت معياراً أساسياً لاستقرار المجتمعات وقدرتها على تجاوز جراحها.
الوطن