تأصيل اللغة الإعلامية: الدولة بوصفها جامعاً لا توصيفاً عابراً

باريس: محمد العويد
يصر العديد من نشطاء الشأن العام السوري، على توصيفات تبدو في سرعة مرورها وتكرارها بديهية، لكنها سرعان ما تكشف لاحقا، انتماء هوياتياً، تحاول الدولة السورية تجاوزه، لتجذير الانتماء للهوية الواحدة والجغرافيا والمستقبل السوري.
وهو ما يستوجب التوقف تأصيلاً في اللغة الإعلامية، كواحدة من روافع المشهد السياسي وبنائه، ومحاولة للتخلص من لعبة الهويات القاتلة، والاستقطاب السياسي، في مجتمع خرج للتو من حرب مدمرة شنتها قوى النظام البائد وحلفاؤه الإقليميون والدوليون، فمزقت الشعب السوري إلى ملل ونحل وشعوب وطوائف وإثنيات.
التكرار المتداول عبر الفضاء الإعلامي عن “سلطة دمشق” أو “الفصائل العسكرية” يراد منه حوامل ضبابية، و تقصد الابتعاد عن مفهوم الدولة ومؤسساتها سواء المدنية كالحكومة أو العسكرية كالجيش، بل أكثر من ذلك انتقاص هادف لتعزيز سردية وسلطات الأمر الواقع ” الباشانية والقسدية والغزالية نسبة إلى غزال” والتي تريد التساوي مع الدولة، وترسيخ مشروعيتها، بتعريف الجميع كسلطات، فتروج لخطابها ومفرداتها عبر ترديده تكراراً على لسان مؤيديها والمتعاطفين والمتساهلين.
في المراحل الانتقالية التي تعقب النزاعات الكبرى، لا تكون اللغة مجرد وسيلة للتعبير، بل تتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الوعي العام وتحديد اتجاهات الفهم السياسي والاجتماعي. فالكلمات التي تُستخدم لوصف الواقع لا تكتفي بعكسه، بل تسهم في إعادة إنتاجه، سلباً أو إيجاباً، وخصوصا حين يكون المجتمع في حالة بحث عن توازن جديد بعد سنوات من التفكك والاضطراب.
من هذا المنطلق، تبرز أهمية النقاش حول اللغة الإعلامية المستخدمة في توصيف المشهد السوري الراهن، ولا سيما شيوع استخدام مصطلح «السلطة» بدل الدولة، “الفصائل” بدل الجيش السوري، الشارع الانتمائي مقابل الهوية الوطنية، الحقوق وتغيب الواجبات، المحاصصة بدل الشراكة، التلويم قبل المعرفة والمساهمة.
هذا الاختيار اللغوي، الذي قد يبدو للبعض تفصيلاً شكليا، يحمل في جوهره دلالات سياسية عميقة، تتجاوز البعد الوصفي إلى المساس بشرعية الكيان الجامع ذاته.
فحين يُختزل المشهد السوري في توصيف «سلطة»، يُفهم ضمنياً أن ما هو قائم كيان مؤقت أو قابل للاستبدال، وليس إطارا وطنيا جامعا. في المقابل، فإن الحديث عن «الدولة السورية» لا يعني إضفاء قداسة على القائمين على الحكم، ولا تعطيل النقد أو المساءلة، بل الإقرار بوجود كيان وطني يحاول لملمة جراحه، وتضميد ما تهشّم، تمهيدا لبناء سلطة متداولة، خاضعة للقانون، بلا عصمة ولا امتياز دائم.
وتتضاعف خطورة هذا الالتباس اللغوي في ظل واقع سياسي تتكاثر فيه المسميات والمرجعيات، حيث يُروَّج لوجود «سلطات» متعددة، لكل منها خطابها وشرعيتها المفترضة. في مثل هذا السياق، يتحول توصيف الدولة بوصفها «سلطة» إلى مدخل غير مباشر لتبرير قيام سلطات موازية، ويُفرغ فكرة الدولة من مضمونها الجامع، لتصبح خياراً سياسياً من بين خيارات، لا الإطار الناظم الذي يحتكم إليه الجميع.
هنا، لا يعود الخلاف لغوياً بحتاً، بل يصبح جزءاً من معركة المعنى: هل الدولة حقيقة جامعة تُصان وتُرمَّم، أم مجرد توصيف مرحلي قابل للتفكيك وإعادة التركيب وفق موازين القوة؟
هذا السؤال يقود بالضرورة إلى دور الصحافة ومسؤوليتها في هذه المرحلة الحساسة. فالإشكالية ليست في كون الصحافة مع الدولة أو ضدها، بل في كيفية ممارستها لدورها النقدي دون الإسهام في إضعاف الإطار الوطني الجامع.
جميع التجارب الدولية، بما فيها الأوروبية، تُظهر أن الصحافة، حين تقترب الدول من لحظات اشتباك وجودي أو تحولات مصيرية، تعيد ترتيب أولوياتها، فتوازن بين الحق في المعرفة والحفاظ على حدود التماسك الوطني، فالمفاهيم الوطنية للأمم لا يسمح بالمساس بها، بل تطفو لغة التعبئة الوطنية أمام مخاطر تهدد الهوية الوطنية.
وفي هذا السياق، يبرز الخلط الشائع بين «الكشف» و«التشهير»، وبين الحقيقة بوصفها معلومة، والحقيقة بوصفها أداة توظيف سياسي. فليس كل ما يُقدَّم على أنه حقيقة معزولا عن الخلفيات الأيديولوجية، ولا كل نشرٍ للوقائع يُعدّ بالضرورة فعلاً مهنياً مسؤولاً. فالتوقيت، والسياق، والغاية، والأسئلة المتعلقة بمن يستفيد ومن يتضرر، كلها عناصر أساسية في أخلاقيات العمل الصحفي، لا يمكن تجاوزها باسم المهنية أو السبق الإعلامي.
الصحافة، في جوهرها، ليست سباقاً على العناوين، بل ممارسة تراكمية تؤثر في الوعي الجمعي على المدى الطويل. والكلمة المنشورة، خصوصا في المراحل الانتقالية، لا تُستهلك لحظياً، بل تترك أثرا يتجاوز لحظة النشر، وقد تسهم في بناء الثقة أو تعميق الانقسام.
وفي موازاة ذلك، يبقى الانتماء إلى الدولة مسألة لا تقبل الالتباس.. فالخلاف حول السياسات، وانتقاد الأداء، والمطالبة بالمحاسبة، كلها ممارسات مشروعة وضرورية في أي مسار يسعى إلى بناء دولة مواطنة، أما تحويل الدولة نفسها إلى موضع انقسام أو تشكيك في لحظة هشّة، فإنه يفتح الباب أمام تفكك المعنى الوطني، ويجعل الولاءات الجزئية أو الهويات الفرعية بدائل عن الإطار الجامع.
إن المطالبة بدولة تقوم على الحقوق والواجبات، وعلى مبدأ المواطنة المتساوية، لا تتناقض مع حمايتها بمرحلتها الانتقالية، بل تستوجب ذلك.. فالدولة التي يُراد لها أن تكون للجميع لا تُبنى عبر إضعاف لغتها أو تفريغ رمزيتها قبل اكتمال شروط تداول السلطة فيها.
وفي النهاية، قد لا تكون الدولة السورية قد اتضحت بالكامل بعد، ولاتزال الغيوم كثيفة فوق مسار التحولات.. غير أن وضوح اللغة يظل أحد المفاتيح الأساسية لتبديد هذا الالتباس، فاختيار المصطلحات ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو موقف من المستقبل ذاته.. وفي لحظات كهذه، لا يكون السؤال عمّا إذا كنا سننحاز، بل إلى أي معنى ننحاز: إلى الدولة بوصفها إطاراً جامعاً، أم إلى توصيفات عابرة قد لا تصمد أمام اختبار الزمن.
فالزمن يمضي، والتحولات لا تنتظر، وما يُكتب اليوم سيظل شاهداً على موقع أصحابه في لحظة مفصلية من تاريخ البلاد.