“ردع العدوان”.. ذاكرة بصرية تستحق المشاهدة

منذ مشاهده الأولى، يرسّخ فيلم “ردع العدوان” إيقاعه السردي بثبات لافت، فالسرد فيه لم يتعجل الوصول إلى خلاصاته، بل بناها تدريجياً عبر تسلسل مدروس للأحداث والشهادات والمواد الأرشيفية.
وقدّم الفيلم نفسه كعمل سينمائي واعٍ بدوره ومسؤوليته، حيث تكاملت فيه السردية والصورة لتشكّلا شهادة بصرية متماسكة، قادرة على نقل الحقيقة على الصعد السياسية والعسكرية والإنسانية.
كما جاءت الصورة مشحونة بالدلالة؛ فمنحت الفيلم صدقاً بصرياً يرسّخ أثره في الذاكرة.
إن ما يميّز فيلم “ردع العدوان” هو هذا الوعي الشامل بكل عناصره، من سردية تقّدر حجم الحدث، إلى صورة تحترم الواقع، ومنها إلى معالجة فنية تضع الحقيقة في صدارة الاهتمام. ليبرهن الفيلم أن الوثائقي يمكن أن يكون عملاً جمالياً مؤثراً.
إضافة إلى ذلك، نجح الفيلم في نقل الحقيقة، مقدّماً توثيقاً بصرياً دقيقاً لأحد أهم الأحداث المفصلية في تاريخ سوريا المعاصر. وتعامل مع الحدث كواقعة تاريخية تستحق التثبيت في الذاكرة الجماعية، عبر سرد موثق وشهادات ومعطيات عكست حقيقة المشهد. هذا الحرص على الحقيقة منح العمل مصداقية عالية، وجعل منه مرجعاً بصرياً يسهم في مواجهة محاولات الطمس أو إعادة صياغة الوقائع خارج سياقها الحقيقي، مؤكّداً أن التوثيق الحقيقي هو خط الدفاع الأول عن التاريخ.
كما تجلت جودة الفيلم بوضوح في المستوى المهني العالي الذي أنجز به، وهو ما عكس كفاءة فريق العمل والتزامه الواضح بأخلاقيات الفيلم الوثائقي. فكل تفصيل، من الإدارة والبحث والإعداد، إلى التصوير والمونتاج، وصولاً إلى المعالجة الفنية النهائية، حملت بصمة احترافية أكدت أن العمل كان نتاج رؤية جماعية متكاملة، بعد أن تعامل الفريق بحس مسؤول، فخرج الفيلم بصورة تليق بثقل الحدث وأهميته، وكرّس نفسه كعمل وثائقي ناضج أثبت أن المهنية العالية قادرة على تحويل الحقيقة إلى أثر بصري خالد.
في المحصلة، شكّل الفيلم إضافة نوعية للسينما الوثائقية، وأكد أن الفيلم حين يُصنع بإيمان حقيقي بقيمة الصورة والسرد، يصبح وثيقة حية، وموقفاً أخلاقياً، وذاكرة بصرية تستحق المشاهدة.
وائل العدس