عصر “حماية العملاء”.. قزّاز: الرقابة السلوكية خطوة أولى نحو إصلاح مصرفي شامل.. ولكن؟

في وقت يحاول فيه مصرف سوريا المركزي ترميم جدار الثقة المهتز عبر أدوات رقابية “سلوكية” وميدانية، يبرز التساؤل الجوهري حول قدرة هذه الإجراءات التنظيمية على الصمود أمام عواصف التضخم والانكماش.
الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور عبد الله قزّاز قال: لا شك أنّ مصرف سوريا المركزي يعمل على تعزيز الثقة أثناء عملية استبدال العملة الجديدة التي بدأت في كانون الثاني 2026، مع التركيز على الرقابة السلوكية مثل “المتسوّق الخفي”.
ويرى أستاذ الاقتصاد أن خطاب الحاكم عبد القادر الحصرية يثير تساؤلات نظرية وعملية حول دور المصرف كمصدر ثقة، مع مخاطر الاستبدال النقدي، وفعالية الآليات الرقابية.
دور المصرف كمصدر ثقة
أوضح قزّاز أن دور المصرف المركزي يُقتصر نظرياً على ضمان الاستقرار النقدي والرقابة، لكنّ هذا الدور محدود عملياً في اقتصادات تعاني صدمات هيكلية بعد الحروب وفي مرحلة بناء الدولة والاقتصاد المحلي، حيث يصعب الحفاظ على استقلاليته من دون إصلاحات حوكمة.
واعتبر أن إنشاء مديرية حماية للعملاء يمكن أن يعزّز من الشفافية قصيرة المدى، لكن الثقة طويلة الأجل تتطلب استقلالية حقيقية وشفافية مالية تتجاوز الجولات الميدانية إلى إفصاحات دورية وبيانات تفصيلية، تبيّن الواقع المصرفي من دون المساس بالسرية المصرفية للبنوك العاملة أو مصرف سوريا المركزي.
مخاطر الاستبدال النقدي
واستعرض قزّاز أهم المخاطر التي يمكن توقّعها مع استبدال العملة، كضغط التضخم بسبب تآكل القوة الشرائية، وانكماش السيولة إذا تأخر تسليم الفوائض، وتشويه الإشارات السعرية في مناخ غير مستقر، وخاصة مع حذف صفرين من العملة، لافتاً إلى إمكانية موازنة الاستقرار النقدي قصير المدى (عبر سحب الفوائض بعد 7 أيار)، مع الاندماج العالمي طويل المدى بتعزيز الاحتياطيات وإصلاحات هيكلية تقلّل الاعتماد على السيطرة المالية.
وبرأي أستاذ الاقتصاد تكمن الخطورة على سعر الصرف، في حال قامت البنوك العامة والخاصة بتسليم المودعين المبالغ التي يطالبون بها كلياً، أو بأجزاء كبيرة من قيم ودائعهم في ظل توافر السيولة النقدية، ما يمكن أن يشكّل خطراً وضغطاً كبيراً على سعر الصرف بسبب زيادة الكتلة النقدية المتداولة عن السلع والخدمات المتوافرة.
فعالية “المتسوّق الخفي” مقابل الإصلاحات
أشار قزّاز إلى أن “المتسوّق الخفي” يقيس رضا المتعاملين عبر تقييم سلوك الموظفين وجودة الخدمة، ما يوفّر بيانات حقيقية قصيرة المدى، لكن فعاليته طويلة الأجل محدودة من دون إصلاحات شاملة تشمل القطاع المصرفي الذي يعاني عدة مشاكل في الأداء والرقابة والتقييم، حيث يُكمّل هذا النهج السلوكي الرقابة التقليدية (كفاية رأس المال وإدارة المخاطر)، لكنّه لا يحلّ محلّها، وقد يحوّل التركيز عن الثغرات الهيكلية إذا لم يُدمج مع الامتثال التنظيمي.
وختم بالقول: إنّ الرقابة التقليدية (الامتثال وكفاية رأس المال) تركّز على استقرار النظام ومخاطر طويلة الأجل، وهي أساسية للثقة العالمية والاندماج، وتتطلب المزيد من الشفافية والإفصاح بالتوازي مع إصلاحات قانونية وإدارية. أمّا الرقابة السلوكية (متسوّق خفي) فهي تركّز على جودة الخدمة ورضا العملاء قصيرة المدى، ومكمّلة لكّن غير كافية وحدها في ظل الأزمات الهيكلية، وسهلة التطبيق ميدانياً.
محمد راكان مصطفى