فساد يمس شريان السكك الحديدية.. تفاصيل الكشف عن ملف توريد مشبوه بمليارات الليرات

لم تكن مراجعة عقود التوريد في المؤسسة العامة للخطوط الحديدية إجراءً روتينياً، بل تحولت سريعاً إلى مدخل لكشف واحدة من أكبر قضايا الفساد المالي التي ضربت هذا المرفق الحيوي، وخلّفت أضراراً مالية تجاوزت 19 مليار ليرة سورية، وفق ما أظهرته تحقيقات الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش.
بداية الخيط بحسب بيان رسمي صادر عن وزارة النقل كانت بمراجعة إدارية تكشف اختلالات خطيرة ويقول المدير العام للمؤسسة العامة للخطوط الحديدية أسامة حداد إن الإدارة الجديدة، وبعد التحرير وتسلمها ملف المؤسسة، باشرت عملية تدقيق شاملة لكافة عقود التوريد المبرمة سابقاً، ولا سيما العقود المتعلقة بتوريد قطع غيار القاطرات وغيرها من المستلزمات التشغيلية.
وخلال هذه المراجعة، برزت مؤشرات مقلقة تتعلق بأسعار التوريد، وآليات التعاقد، وتنفيذ العقود، ما أثار شبهات جدية بوجود مخالفات وتجاوزات مالية، دفعت إدارة المؤسسة إلى مخاطبة الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش وتحويل جميع الملفات المشبوهة دون استثناء.
قطع القاطرات
واللافت بحسب الوزارة أن غالبية العقود محل الشبهة كانت تخص قطع صيانة القاطرات، التي تُعدّ العصب الأساسي لعمل السكك الحديدية. وبحسب معطيات التحقيق، فإن الخلل في هذه العقود لم يقتصر على الجانب المالي، بل انعكس بشكل مباشر على الواقع التشغيلي للمؤسسة، حيث أدى إلى تعطّل القاطرات، وهدر الوقت، وتعطيل المشاريع، إضافة إلى خسائر كبيرة في رأس المال.
تحقيقات رقابية: أرقام صادمة وتواطؤ مثبت
الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش أكدت، في نتائج تحقيقاتها، أن المؤسسة شهدت خلال فترة النظام البائد قضايا فساد ممنهجة، تمثلت بإبرام عقود توريد مشبوهة خلال عامي 2023 و2024، بأسعار تضمنت فروقات مالية غير مبررة.
وأظهرت التحقيقات وجود تواطؤ مباشر بين عدد من موظفي المديرية وأحد الموردين، حيث جرى تمرير عقود بأسعار مرتفعة، ما أدى إلى صرف مبالغ زائدة قُدّرت بنحو 13 مليار ليرة سورية نتيجة فروقات سعرية غير قانونية.
وبحسب الهيئة، فإن إجمالي الضرر المالي المترتب على هذه التجاوزات بلغ نحو 19 مليار ليرة سورية، وهو رقم يعكس حجم الهدر الذي لحق بالمال العام في أحد أهم القطاعات الخدمية.
إجراءات قانونية… ومحاسبة مرتقبة
وفي ضوء ما توصلت إليه التحقيقات، اتخذت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش جملة من الإجراءات لحماية المال العام، شملت إصدار قرارات منع مغادرة بحق المتورطين وإلزامهم برد المبالغ المختلسة وإحالة الملف كاملاً إلى القضاء المختص لاستكمال الملاحقات القانونية.
من جهته، شدد المدير العام للمؤسسة على أن جميع الإجراءات القانونية التي ستصدر عن الهيئة سيتم تنفيذها دون تهاون، مؤكداً أن المؤسسة ماضية في اتخاذ إجراءات صارمة بحق الموردين والموظفين المتورطين، بما يضمن عدم تكرار هذه التجاوزات.
وبحسب ما نشرته الوزارة كشفت هذه القضية حجم التحديات التي تواجه المؤسسات العامة في مرحلة إعادة البناء، وتطرح في الوقت ذاته أسئلة جوهرية حول آليات الرقابة السابقة، وكيف أمكن تمرير عقود بمليارات الليرات دون مساءلة، قبل أن تعيد التحقيقات الرقابية فتح الملفات المغلقة.
وفي وقت تؤكد فيه الجهات المعنية أن المحاسبة قادمة، تبقى هذه القضية اختباراً حقيقياً لجدية مكافحة الفساد، واستعادة ثقة الشارع بحماية المال العام، وضمان ألا تعود السكك الحديدية – ولا غيرها – ساحة مفتوحة للهدر والاختلاس.
الوطن